أوثق مرجعيات الخيل في العالم وباللغات الحية تذهب إلى حقيقة أن أحد أهم وأبرز مواطن الفروسية في تاريخ الإنسان هو قلب الجزيرة العربية، وهو ما يتمثل بقلب المملكة العربية السعودية حالياً، ومنها عرف الإنسان واحداً من أطيب وأجمل وأنبل الخيول على مر التاريخ، وباتت سلالاتها النادرة تقتنى بشرف وحرص من قبل أباطرة وسلاطين وحكام وأعيان التكوينات السياسية منذ عصور مضت وما تزال.

ولأنني لست بصدد جوانب تاريخية تستدعي الاسترسال، أردت فقط الاستدلال على ما تعنيه الفروسية في تاريخ الجزيرة العربية عامة والمملكة خاصة.

ومثار هذه التقدمة ما تابعناه أخيراً عبر الشاشات وبقية سائل الإعلام الجديد الذي عمل على متابعة كل صغيرة وكبيرة في الحدث الفروسي السنوي الأهم والأكبر والأغنى عالمياً، وهو كأس دبي العالمي للخيول، الذي يعد أحد ابتكارات الأيقونة (الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي)!

من حيث المشاركة، لم يكن هناك ذكر للخيل السعودية في هذا الحدث على عكس السنوات الماضية، وهو أمر مستغرب من ناحية أن النشاط عادة يستتبعه النشاط، والكسل يورث الكسل، هكذا تعلمنا، وهكذا تقول العرب وثقافتها، لكن يبدو أن إرث الفشل والتراجع والتداعي والوهن الذي أصاب مفاصل الرياضة في بلادنا أصاب إسطبلاتنا والقائمين عليها كذلك، وأحال جيادنا على قوتها وفرساننا على استعداداتهم ومهاراتهم للفرجة على جياد العالم وأفضل فرسانها. إنه لأمر محزن جداً لـ(موطن الخيل)!!

ومن حيث الرؤية لحاضر ومستقبل الخيل والفروسية السعودية، يحتار المتابع من ذلك التباطؤ المميت لدفع عجلة هذه الرياضة وجعلها أيقونة هذه البلاد وعنوانها الرياضي والشبابي، فلا يعقل أن نظل نتفرج على العالم من حولنا الذي إن لم نتفوق عليه بالإمكانات والعمق السكاني، فإننا لسنا بأقل منه إن لم نكن بالفعل في مستوى وقدرات وإمكانات واحدة، عدا جزئية هي - في الحقيقة - وبال مجتمعنا الرياضي، ألا وهي غياب الرؤية والحراك والتحرك من مراحل الأحاديث والأماني الإعلامية إلى مراحل التنفيذ الفعلي والاستفادة من خبرات من سبقونا من أشقائنا بدولة الإمارات على وجه التحديد في هذا المجال والذين بلغوا شأواً عظيماً وارتقوا سلم الفروسية في أعلى صوره ومراتبه، ولتكن هناك خطوات جادة وسريعة لجعل الرياض عاصمة للفروسية العالمية بكل ما تحمله هذه المكانة من شروط وكوادر وكفاءات وجهد يوازي هذا التطلع المشروع، وأن يكون هذا الأفق هو مشروعنا الرياضي الأول والأهم بأي إستراتيجية ستناقش أو ستنفذ من اليوم وصاعداً، بدل أن نقتات من فتات لعبة كرة القدم ليل نهار في مجالسنا وإعلامنا، مع علم الجميع بحقيقة أننا سنظل، مهما وفرنا من إمكانات وجهود، في الصفوف الوسطى، هذا إن وفقنا في كل مهامنا ونشاطاتنا وبرامجنا المستقبلية، فالأحلام تبقى لها حدود واقعية وإلا اعتبرت خيالات لا يستسيغها المنطق ولا يتقبلها عقل!!

كفى من (التثاؤب) أيها القيمون على رياضة الفروسية في بلادنا، واجعلوا من نجاحات (دبي) في عالم الفروسية من سباقات وصناعة نموذجاً يحتذى به، وأن يكون دافعاً لعمل فروسي سعودي يسجله التاريج وليس مجرد سطور بصفحاتنا الرياضية تنتهي بغروب اليوم، وعليكم تأسيس رؤية حقيقية قابلة للتنفيذ لتكون الرياض قولاً وفعلاً عاصمة للفروسية في غضون خمس سنوات كما فعلت المتوثبة دوماً دبي، واغتنموا دعم رائد الفروسية وباني لبنات الرياضة العربية الأصيلة في بلادنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي أجزم أنه سيكون داعماً ومسانداً لكل خطوة جادة وحقيقية في هذا الاتجاه.

فاستفيقوا من سباتكم العميق، واجعلوا العالم يتعرف أكثر على أحد أهم مواطن الخيل في التاريخ، وليستمتع حينها بفروسيتنا بدل أن نظل نتفرج والهم يأكلنا واليأس يتغلغل فينا.