لم تعرف الخطابة الدينية على مر التاريخ العربي والإسلامي مأزقاً أو أزمة فكرية، كالذي تمر به في وقتنا الحاضر، على الرغم من تواصل والتقاء العالم مع بعضه البعض. وتنوع مصادر المعرفة والمعلومة. وكثيراً ما تعرض المفكر الإسلامي (محمد عابد الجابري) رحمه الله في مقالاته وكثير من مؤلفاته، إلى أزمة الخطاب العربي المعاصر، ومنها إشكاليات الخطاب الديني. وكذلك فعل الدكتور (نصر أبو زيد) في كتابه "نقد الخطاب الديني" كنموذجين فكريين لكلٍ مدرسته وتوجهاته. أطروحات عديدة تناولت المسألة بشكل أو بآخر. وقدمت تصورها للحلول التي يمكن التعويل عليها لبعث روح القوة في جسد الخطاب الديني مرة أخرى. ومحاولة تقديمه بلغةٍ وفكرٍ جديدين يحاكيان المفاهيم العصرية الحديثة. ليتمكن من إيصال رسالته الإنسانية. إلا أن تلك المحاولات قد تعثرت على ما يبدو (بفعل فاعل ربما). ولم تنجح في تطبيق ولو أجزاء معقولة من المشروع الإحيائي لتغير وجه الشكلانية الرتيبة له على الأقل.

والمتفحص سيعرف أن التاريخين العربي والإسلامي قد مرا بفترات تاريخية عصيبة ومُذلة، اختلط فيها الحابل بالنابل إبان انهيار النسق السياسي للدولة الإسلامية، وسيطرة بعض الغوغاء والأعاجم على مشهد المجتمعات الإسلامية طويلاً. والذي أفرز تالياً وشيئاً فشيئاً نوعاً جديداً من اللغة الخطابية تتفق مع ثقافاتها في توجيه (متعمد) لمضمون الخطاب ونوعيته وطريقته، ما خلق ضعفاً فكرياً وعقماً إبداعياً حُجم معه المد التأثري للخطاب فيما بعد.

ولعب دخول اللغات الأعجمية التي سيطرت على مجريات الأمر السياسي للدولة الإسلامية في فترات تاريخية ليست بالقصيرة كسيادة المماليك والسلاجقة والأتراك وخلافهم وتربعهم على مقاليد الشؤون السياسية دوراً مفصلياً في إرباك النسق الاجتماعي العربي والإسلامي الذي تشكل في القرون الأولى وفتح الباب على مصراعيه لتكريس نوعية خاصة من الخطابة. ليراوح الخطاب الديني في مكانه المشوش الجديد (الخاضع لرغبة القوة السيادية أحياناً، والصراعات المذهبية ونزاعاتها أحياناً أخرى).

وكان لتحجيم الحرية الفكرية الرصينة التي تميز بها الخطاب الديني في أصله الأثر السلبي الذي قضى إلى حدٍ ما على عنفوانه وتضييق البعد الفكري الإنساني العميق له مع النصوص بأنواعها. ودعونا نفترض فرضية (الثابت والمتحول)، ونسحبها على: الثابت (النص القرآني والأحاديث النبوية)، والمتحول (المجتمعات الإنسانية والأحداث الزمكانية) وسنخرج بنتيجة وقوع (الثابت والمتحول) في حالةٍ من عدم التفاعل نتيجة للتقلبات السياسية التي قوضت الهامش الفكري بشكل عام. وهذا يعني هدما لفكرة ديناميكية تفاعل الثابت مع المتحول وتناغمهما معاً وهذا أمر بدهي يُقره المنطق، فالثابت (النص القرآني والأحاديث النبوية) جاء أساساً لتنظيم المتحول (المجتمعات الإنسانية والأحداث الزمكانية) وحين نتأمل عن قرب الفترات التاريخية الإسلامية الأولى، سنلاحظ تألقاً لافتاً لواقع المجتمع العربي والإسلامي الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. وبروز المئات من أسماء العلماء اللامعين في مختلف مناحي الحياة. أفضى إلى غزارة الإنتاج المعرفي والإبداعي على كافة المستويات العلمية والعملية والروحية. وقد برر ذلك وأثبته ظهور مدارس الرأي الدينية المختلفة (المذاهب). التي تمخض عنها إرث فكري ديني عظيم نسميه (الفقه الإسلامي).

وهذا ناتج منطقي لحالة التعددية والتنوع الفكري التي سادت في القرون الأولى. ابتداءً من (القرن الأول ووصولاً إلى نهايات القرن السادس الهجري)، إذ لم تكن قد ظهرت الحركات الفكرية الإقصائية بكثافة وعصبية كما هي عليه في القرون التي تلتها. من بداية (القرن السابع الهجري) إلى يومنا هذا. والتي بدأ معها ذلك التوهج والعنفوان بالخفوت والتلاشي. ما ألقى بظلاله السلبية على العقلية العربية والإسلامية فكراً ومنهجاً وانتحاراً لغوياً وأدبياً إذا جاز لي التعبير. لتغلق كثير من أبواب الاجتهادات الفكرية والدينية. وتشح العقلية الابتكارية عن يوميات الحياة العربية والإسلامية لقرون عديدة. ساهمت في رسم الصورة الذهنية السلبية وتشكلها عند السواد الأعظم من المجتمع الإسلامي. وبرمجت في مخيلتنا نمطية مقيتة لا علاقة لها بحقيقة وأصل فن الخطاب والبلاغة وفكرهما. اللافت والمخيب بالفعل هو حقيقة أن الخطاب الديني المعاصر، يعود إلى بدايات (القرن السابع الهجري). الذي مر فيه العالم العربي الإسلامي بإحدى أسوأ فتراته التاريخية.

وتشكل الخطاب الذي يعتمد أسلوب الروي المكرور (لمحفوظات تاريخية) فقط. تُساق كمجموعات معلوماتية سردية خالية من روح الإبداع والفهم في أحايين كثيرة. وهي لدى الخطيب (الفقير فكرياً) الطريق الأقصر لتسويق البضاعة. وقد أهمل هذا الأسلوب (الحكواتي) وبشكل غريب أسلوب المخاطبة الذهنية الفكرية التي تعتمد الإفهام والإقناع الذهني المبني على المعرفة. ودعم ذلك بمعلومة الثابت (المحفوظات التاريخية) كدليل على السياق السردي في متن الخطاب. بمعنى أن تكون لغة الخطاب الفكرية هي الصفة الطاغية على مجمله، لتأتي (المحفوظات التاريخية) كاستدلال على مضمون الخطاب. وليس الأسلوب القصصي السائد في الوقت الراهن. الذي يهمل جانب تثقيف عقلية الشريحة الأكبر (المتلقي) ومحاولة توسيع مداركها.

ما يترتب عليه حجب الجانب المعرفي (الفكري) عن العامة الطبقة المستهدفة في الأصل. وهذا الأسلوب العقيم والمكرور يصور الخطباء في نهاية الأمر كمجموعة من (الحكواتية) ليس أكثر. يختلفون عن بعضهم البعض باختلاف الطريقة المسرحية لكلٍ على حدة. إذ يصبح من السهل جداً أن يمنحك المجتمع لقب (شيخ أو خطيب) بمجرد حفظك لبعض آيات القرآن الكريم وبعض الأحاديث والسيرة النبوية. وسردها بلغة مسرحية حتى وإن كانت ركيكة. يحدث ذلك لأن المجتمع افتقد للكثير من مقومات الوعي والمعرفة. فقد أكثر عليه القوم من الحجر والإنكار، ليس كحجة وبينة دامغة. ولكن لأن فاقد الشيء لا يعطيه.