في إحدى الأطروحات القديمة إبان مناقشات مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، تحدث أحد المثقفين عن دلالة الاعتراف بالآخر في العصر الحديث وفي الثقافة الفرنسية خصوصا بحكم دراسته الأكاديمية، لتتفاجأ به بعد أن استعرض دلالات الاعتراف ومفهومه لدى كبار فلاسفة أوروبا، والتي تشير ضمنا إلى إرهاصات غفل عنها عمدا أو غفلة، وهي إرهاصات ميلاد مفهوم (المواطن)، إذ غفل عن الهدف الحقيقي من أطروحات فلاسفة أوروبا ليقوم بمحاولة توطين أو تبيئة تسيء إلى النص أكثر مما تخدمه، فاستخدم النص القرآني كمعادل موضوعي لنظريات الفلاسفة الغربيين في مفهوم (الاعتراف) بالآخر، مذكرا بقوله تعالى: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، متناسيا أن القرآن في عهد النبوة كان يشير إلى الواقع العشائري الذي تعيشه البشرية آنذاك وفق منطق عرقي وديني تهيمن عليه نظرية الحق الإلهي، وفي تفاصيله يكمن شيطان داحس والغبراء، والبسوس، والجمل وصفين والخوارج، وعباسيين يبسطون الموائد على جثث الأمويين... إلخ، كان الملك فيه عند فارس والروم يفرض دينه على رعاياه بالقوة، لدرجة قد تسوغ التصفية للأقليات الدينية أو العرقية.

إن استخدام مفردة (حديثة) ومحاولة تبيئتها عبر تمريرها بالمصطبة الدينية هو إعادة إنتاج للنص بطريقة أصولية لم يفكر فيها حتى الصحابة عند تعاملهم مع النص، فعمر بن الخطاب لم يحتج إلى تأصيل فقهي معقد، أو أفكار أسلمة لكل جديد، كي يقوم بتدوين الدواوين التي بقيت كتابتها باللغة الفارسية حتى تم تعريبها في زمن عبدالملك بن مروان، (تخيلوا دولة حديثة تكتب سجلاتها بلغة ليست لغة أهلها)، ولهذا فإن من يتحدث عن دلالة الكلمة ويريد توطينها فليورد السياق التاريخي التداولي للكلمة عند العرب قبل الإسلام وبعد الإسلام، ثم يستعرض الحضارات الأخرى وما وصلت إليه ثم يطرح المفهوم الجديد للعصر الحديث، ولننته عن مركزيتنا التي نتوهمها لفترة خلافة عباسية استطعنا فيها وعبر (الانفتاح على حضارات العالم الأخرى من خلال حركة ترجمة قوية)، أن نضيف للحضارات من بعدنا بصمة تخص أجدادنا ولا تخصنا من قريب أو بعيد، فمع كل احترام للفارابي وابن سينا ـ-الأصولية الإسلامية تكفرهم- كعلامات بارزة في ثقافتنا العربية، إلا أنهم مقارنة بما وصلت إليه الحضارة والعلم الحديث ليسوا سوى تاريخ (غابر) لا يقدم للحاضر شيئا، ومن عنده شك في ذلك فليحاول أن يعالج أحد أقاربه بكل ما وصل إليه ابن سينا في الطب، وليخبرنا بالنتيجة، أما الفقهاء فأقصى ما يستطيعونه هو إقامة أعمدة أصول الفقه على أكتاف المنطق الأرسطي، ولهذا افتتح ابن قدامة كتابه في أصول الفقه (روضة الناظر وجنة المناظر) بالمقدمة المنطقية، فهل وضعنا المنهج الأرسطي على طاولة التشريح، وفق المناهج الفلسفية الحديثة التي استعادت مجد السوفسطائية والنسبية التي يحتاجها العصر الحديث، فأغلب الظن أن مشكلة الأصوليات الدينية على مستوى الديانات التوحيدية خصوصا، تعود في جذرها إلى تمسكها حتى هذا التاريخ بالمنطق الأرسطي الذي تظهر تجلياته في جذور الأطروحات الشرعية لهذه الديانات، وعلينا تخيل ما سيؤدي إليه المنطق الأرسطي إذا تم استدماجه داخل النقاشات العقائدية ليعيد المسلمون إنتاج أنفسهم ككاثوليك يلعنون البروتستانت ثم يتمنون تصفيتهم أو هدايتهم بالقوة... إلخ، مما يجعل بعضنا يلوم الغربيين عندما يروننا من خلال تاريخهم القديم، فهل يكفي أن نناقشهم بلغتهم ومناهجهم لنثبت لهم أن رؤيتهم مؤطرة واستشراقية كلاسيكية، بينما واقعنا العربي يصرخ في وجوهنا بأننا لم نخرج (من جحر الضب الذي أدخلتهم إياه الكنيسة في عصورهم الوسطى)، فهل نلومهم ما دام واقعنا يكذب تخريجاتنا (الكلامية) التي نرطن فيها بلغة (الفرنجة) كي نضع مكياجا يخالف وجهنا المحفور بآثار الجدري الطائفي والعرقي، لتسمع السؤال الذي يواجهك دائما (من أنت عليه؟ من أي قبيلة؟ حضري أم بدوي؟ فلان سني أو شيعي؟) والتي يترتب عليها استحقاق كلمة (ونعم)، فعن أي حداثة وتحديث نريد به رد القراءات الاستشراقية الكلاسيكية لواقعنا، وغالبيتنا ما زالت تعيد إنتاج ما قبل (الدولة الحديثة) في كل ما حولها.

أنت إنسان كحقيقة بشرية، ومواطن كحقيقة سياسية، وما عدا ذلك هويات قاتلة، فلا تجرح إنسانيتك بعنصرية، ولا تجرح وطنيتك بشوفينية، والتدافع الإنساني باتجاه الإخاء والمحبة خير من التدافع البشري باتجاه سفك الدم، أما الجدلية التاريخية فما زالت تطلب الثمن، ومن يظن أنه فوق قانونها فسيرى بأم عينه المعنى الهيجلي لكلمة (مكر التاريخ).