"لا يغطيه الضمان": هذه هي العبارة التي يخشاها المستهلك أكثر ما يخشاه، إذ اكتسب بعض الوكلاء والموزعين سمعة مدهشة في التخلص من التزاماتهم المنصوص عليها في الضمان الذي يُقدّم مع السلع الجديدة لكسب ثقة المشترين بها.
وككاتب في الشأن الاقتصادي منذ سنوات، أتلقى مئات الشكاوى، كثير منها عن ممارسات بعض الوكلاء "الحصريين" والموزعين "الوحيدين" والمعارض الكبرى، وعدم احترام الضمان. ويمكن القول إن هذا الأمر هو مصدر الشكوى الرئيس لكثير من المستهلكين، نظرا لما يترتب عليه من خسائر كبيرة وضياع للجهد والوقت.
وهذه السمعة السلبية في الحقيقة ليست دائما مُنصفة، لأن عددا من الشركات تُؤمن بالحوكمة واحترام القانون وتفي في الواقع بالتزاماتها، ولكن في المقابل ثمة الكثير ممن يحاولون كل أسلوب لرفض إعادة سلعة مضروبة، أو استبدالها، أو إصلاحها مجانا وفقا للضمان.
ومما يسبب إحباط المستهلك هو شعوره بأنه مضطر للتسليم والقبول حينما يسمع هذه العبارة (لا يشمله الضمان)، خاصة حينما يكون الإصلاح ضروريا وغير قابل للتأجيل، لأنه يعتقد أنه ليس له نصير أو مساند. وقد حضرتُ مرة نقاشا دار في أحد المحلات بين أحد المواطنين ومدير المحل قبل فيه المواطن على مضض أن العطل الذي لحق بسلعته لا يشمله الضمان، مع أنه اشتراها قبل أسبوع واحد. ولكن مقيما أوروبيا كان يتابع النقاش احتج وأصرّ على المواطن أن يتمسك بحقوقه، وحينما قال المواطن إنه ليس لديه الوقت للجدل مع المحل، قال له الأروربي: هذا هو سبب تردي الخدمات، لأنكم تقبلون بمثل هذه المعاملة، ثم أضاف: إن كنت لا تريد التمسك بحقك، فافعلها من أجل أبنائك من بعدك ولمواطنيك الآخرين. وقبل المواطن النصحية وأصر على حقه، وبعد أن قام الموظف ببعض المكالمات مع إدارة الشركة، وافق على إعطاء المواطن حقه حسب الضمان.
وفي كثير من الأحيان، يُحِسّ المستهلك بأنه لا يستطيع التواصل مع الشركة المصنعة، أو وكيلها، وأن ليس لديه طريقة للاتصال بمصلحة حكومية تقف معه، أو جمعية أهلية مستقلة لحماية المستهلك تقدم له مشورة مفيدة.
ولا شك بأن ثمة مؤشرات يمكن أن تنبهك مُسبقا إلى احتمال أن يكون التاجر أو الشركة المصنعة أو وكيلها غير مستعدين لاحترام الضمان. ومن تلك المؤشرات أن يكون الضمان ضبابيا أو مبهما، أو يتضمن استثناءات كثيرة، أو مكتوبا بلغة قانونية غير واضحة وبخط صغير. وربما كان أهم المؤشرات عدم وجود إجراءات واضحة لتقديم الشكوى وأرقام للاتصال تتضمن أسماء المسؤولين في الشركة.
وبالطبع يجب أن تتوقع إشكالات مع الضمان إذا كانت السلعة رخيصة أو مصنعة من قبل شركة غير معروفة، أو تُباع من قبل تاجر غير مُجرَّب. ومع ذلك فإن بعض الماركات الكبيرة، التي يسوقها وكلاء وموزعون مشهورون، قد نجحت هي الأخرى في الحصول على سمعة كبيرة كذلك في تدني الخدمة. فعلى سبيل المثال: هل تساءلت يوما لماذا لا تجد بعض السيارات والسلع الأخرى رواجا في المملكة العربية السعودية، مع أنها تحظى خارجها بسمعة عالية بل تكتسح السوق في دول أخرى؟ كان هذا أحد الأسئلة التي طرحتُها على عدد من المتابعين، وكان الجواب عادة: إن هذه السيارات أو السلع قد تكون جيدة في حد ذاتها، ولكن لا يمكن الاعتماد على وكلائها أو خدمات الصيانة التي يوفرونها في المملكة.
وثمة قصة غريبة تؤكد أنه حتى في الشركات الكبرى، والوكالات العريقة، لا تستطيع أن تأخذ احترام الضمان كقضية مسلمة، مهما كان واضحا وصريحا. فمنذ بضعة أشهر اشترى أحد القراء سيارة تصنعها شركة أوروبية معروفة، من وكيلها الوحيد في المملكة، ودفع ثمنا لها نحو (450) ألف ريال! وكجزء من الصفقة، قدم الوكيل ضمانا و"صيانة مجانية" لمدة خمس سنوات، وظن صاحبنا أنه وجد صفقة جميلة.
ولكن منذ اليوم الأول بدأت بعض العيوب في الظهور، ولكن البائع، وهو نقطة الاتصال الوحيدة لهذا المستهلك، أكد له بأنها عيوب بسيطة ستتم معالجتها في أول زيارة يقوم بها من أجل صيانته "المجانية" الموعودة.
وحاول المستهلك إدخال السيارة للصيانة عدة مرات، بعد مرور (1000) كم، ثم بعد مرور (5000) كم ولكن الشركة رفضت، لأنه لم يحن الوقت لفحصها، وخطر في ذهنه أن الشركة وقد وعدت بصيانة مجانية ليس لها مصلحة في صيانة السيارة. وبعد مرور (10,000) وافقت الشركة على إعطائه موعدا لفحص السيارة، وهو ما تم بعد أسابيع. ولكن حينئذ بعد مرور عدة أشهر أصبحت تلك العيوب الطفيفة مشكلات حقيقية، ولكنها الآن على الأقل في طريقها للحل، كيف لها وهي في عناية الوكالة المعتمدة من الشركة المصنعة. أو هكذا اعتقد المستهلك البسيط. ولكن بعد أيام في ورشة الوكالة، تلقى الجواب المعتاد. فلم تعد الصيانة مجانية، كما كان موعودا، فعطل سيارته "لا يغطيه الضمان"، والأسوأ من ذلك أن الوكالة لم تستطع حل المشكلة الأساسية التي ألمّتْ بالسيارة، ولم تقدم له أي حلول بديلة.
ففي مثل هذه الحالات، وهي شائعة مع الأسف، هل صحيح أن المستهلك ليس له ظهر أو مؤيد كما يعتقد الكثيرون؟ لماذا لا يتصل المستهلك بصاحب الوكالة؟ وإذا لم ينجح هذا الاتصال، لماذا لا يتصل بالشركة المصنعة؟ وإذا لم يُحلّ الخلاف، لماذا لا يتواصل المستهلك مع الجهات الحكومية المنوط بها الدفاع عن المستهلك باعتباره الطرف الأضعف في هذه المعاملات مع الشركات الكبرى؟ وماذا عن جمعية حماية المستهلك؟ وماذا عن شركات المحاماة التي تتبنى قضايا ناجحة تتقاضى أجورها منها كنسبة من التعويض الذي يمكن أن تحققه من الشركة المصنعة أو وكيلها؟
الواقع أن كل هذه الوسائل، وما يشبهها، متوفرة في كل الدول، ولكنها لدينا غير معروفة أو مألوفة لدى المستهلك، ولذلك يجب عليه أن يبذل جهدا للتعرف عليها والتواصل معها، وإقناعها بتبني قضيته. ولعلي أعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى لمحاولة وضع خطة طريق تساعد المستهلك على الوقوف أمام هذه الشركات العملاقة ومعاملتها معاملة الندّ.