يتساءل الإنسان حين يرى هذه الصراعات الكبيرة التي تموج في الساحة موج البحر، وينظر إلى حجم الاختلافات بين التوجهات الفكرية والثقافية محاولاً تلمس أسباب الصراع الحقيقية التي تؤدي إلى التنازع والاختلافات والانشقاقات الكثيرة التي تفرق بين الأخ وأخيه، فما هي الأسباب الدافعة التي تسبب مثل هذا؟

الحقيقة أن إرجاع الظواهر الطبيعية والاجتماعية إلى عامل واحد خطأ ظاهر، فالظواهر هي عبارة عن أسباب متضافرة تؤدي إلى وجود أي ظاهرة، إلا أن هذه الأسباب الكثيرة ليست على مستوى واحد من التأثير والإنتاج للظواهر، فقد يطغى سبب على بقية الأسباب ليشكل محوراً مهماً لوجودها، وعلى المرء الذي يرجح سبباً على سبب أن يأتي بالأدلة والمبررات ليثبت صحة فاعلية هذا السبب وتأخير الأثر لسبب آخر.

ولا يمكن بحال إدراك طبيعة الأسباب والظواهر إلا بإدراك طبيعة الإنسان نفسه، فإن خصائص الإنسان وصفاته الجبلية، وطبيعة تكوينه النفسية، وغرائزه الفطرية عوامل مهمة في إدراكها، وقد وصف الله تعالى الإنسان بصفات كثيرة في كتابه تبين المنطلق المهم لفهم حقيقته، وتلمس خصائصه التي تعين على فهم ظواهره الاجتماعية، ومن هذه الصفات قول الله تعالى: (وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)، فالظلم والجهل صفتان مركبتان في الإنسان ابتداء، وإنما جاءت الشرائع الربانية، وخلق الله العقل في الناس ليكون لجاماً للإنسان عن هذا الظلم، وانتشالاً له من حالة الجهل، ولذا كانت "عصمة الأنبياء" ضرورية لانتزاعهم من الظلم والجهل المؤديين إلى كل خلق رديء، وجاءت الشرائع والأديان لتبصر الإنسان بحقيقته المركبة في نفسه، والتي تحتاج إلى جهاد ومجاهدة كبيرة ليقلل من آثارها على نفسه وعلى محيطه الذي يعيش فيه.

إن الظلم والجهل في الإنسان هما اللذان يدفعان إلى أن يتعدى الحدود المرسومة شرعاً وعقلاً، فالبغي، والظلم، والهوى، والتكبر والعناد كلها صفات تقع من الإنسان حين يخرج عن نور الهدى وسلامة الإيمان، وهذه من أهم العوامل التي تدفع الإنسان إلى الجرأة على حقوق الله وحقوق العباد، فالهوى آفة الإنسان، والتحرر منه سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، وقد قال الله تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى)، إذ الأهواء هي التي تردي الإنسان في حمأة الشبهات والشهوات، ولذا سمى السلف أولئك المخالفين للهدي النبوي (أهل الأهواء)، وذلك لوجود العلامات الدالة على الهوى، ومن ذلك أخذ بعض الحق وترك البعض الآخر، والتناقض في الأقوال والأفعال، فإن كان لهم الحق أتوا إليه مذعنين، إن كان ضدهم نفروا منه نفوراً شديداً.

إن الإنسان في طبعه يتمحور حول مصالحه الخاصة، وتحركه أطماعه الذاتية، ولا يسلم من ذلك إلا من "تجرد" للحق والحقيقة، وقبل الحق ولو على نفسه، وانتزع نفسه من الهوى الذي هو حجاب سميك عن تلمس الحق والصواب، ومن يطالع مجمل النزاعات يجد أنها تبدأ بالتعصب للأفكار والأشخاص والتجمعات والهيئات، فتكون هذه المرجعيات هي الفيصل والحكم لا الأحكام العلمية والموضوعية، وكلما زاد الإنسان في التعصب لجهة أو فئة كلما ابتعد عن الصدق في حمل الأمانة والحقيقة، وزاد في الظلم والبغي على المخالفين، وكلما تحرر من الأهواء كلما كان أقرب إلى إصابة الحق، وسلامة المنهج والطريق.

لقد كان من صفات العلماء العاملين من السلف والخلف أنهم ينقادون إلى الحق ممن جاء به، ويزرون بأنفسهم ويحاسبونها، وقد كان من الأمثلة الحية التي شاهدها وعاصرها الجميع سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله، فإن كل من عاشره أو عرف سيرته أو قرأ عنه أدرك حضور هذه الصفة فيه والتي انعكست على علاقته بالجميع، كباراً وصغارا، حكاماً ومحكومين، موافقين ومخالفين، حتى إنه كان رحمه الله يستدرك عليه الشاب الصغير مسألة أو ينبهه إلى خطأ، فما يكون منه إلا أن يقر له بالصواب ويخطئ نفسه، فقد تعقبه مرة أحد طلابه الصغار الذين لم يبلغوا العشرين سنة، فقال له: إن صح الحديث فالقول قولك، في درس عظيم من التجرد للحق، والتواضع للخلق، وهذه هي علامة القبول والمحبة حتى من أولئك المخالفين له عقيدة وتصوراً.

إن هذه الأدواء وإن كان يستبصرها المراقب من خلال القرائن، إلا أن الذي يستطيع كشف الحقيقة ناصعة هو الإنسان نفسه، فهو الذي يعرف حقيقتها، ولا يغنيه عن معرفتها التصنع أو الادعاء، فمهما حاول أن يصورها بهذا إلا أنها تنكشف أمامه بصورة ظاهرة، وعليه فهو الذي لا بد أن يعالج نفسه ويتلمس مشكلاتها، وأن ينهاها عن "الهوى" الجالب لكل مفسدة والدافع لكل خير.. (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى).