في 21 مارس الماضي، أول أيام فصل الربيع، غرقت إيران في نوم عميق لمدة أسبوعين بسبب موسم الإجازات الوطنية. عطلة رأس السنة الفارسية، أو عيد النيروز، تدوم 13 يوما وخلالها لا تصدر صحف ولا تحدث أمور سياسية هامة. بعد أن تنتهي هذه الإجازة، يعود الإيرانيون إلى حمل الصحف وقراءة الأخبار التي فاتتهم خلال هذه الفترة. فهم يقرؤون مثلا أن كوفي عنان أصبح مبعوثا للأمم المتحدة ومكلفا بالتوسط بين النظام السوري والمعارضة السورية. كما يتابعون أيضا تطورات الاجتماع المرتقب بين مجموعة دول 5+1 وبين إيران لمناقشة برنامج إيران النووي المثير للجدل، والذي من المقرر عقده في إسطنبول في 15 إبريل الجاري. ماذا أيضا؟ الصحف الرسمية مليئة بالأخبار والتفاصيل. من العقوبات على إيران والحظر على تصدير النفط الذي يبدأ في 8 يونيو، إلى تعليقات آية الله خامنئي حول سورية بعد اجتماعه مع رئيس الوزراء التركي إردوغان، والذي أكد فيه أن إيران ستبقى مع سورية في التصدي لإسرائيل.
من بين الأخبار والمقالات التي تتخم الصحف، هناك مقابلة مثيرة للاهتمام نشرتها إحدى المجلات خلال العطلة الوطنية. المقابلة هي مع الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني، وقد نشرت عدة صحف مقاطع متفرقة تتعلق بالشؤون الدولية. تم التجديد لرفسنجاني قبل عطلة رأس السنة مباشرة لفترة ثانية كرئيس لمجلس تشخيص مصلحة نظام، وهذا مهم بالنسبة لرفسنجاني لأنه يضع حدا للأنباء المتعلقة بسوء علاقته مع المرشد الأعلى للثورة آية الله علي خامنئي.
ولكن هل يعكس هذا ما يقال عن أن المرشد الأعلى للثورة يعتقد أنه ارتكب خطأ بتأييده للرئيس أحمدي نجاد إلى هذه الدرجة؟ وهل نصدق أنه يعتقد أنه أخطأ عندما قال مرة إنه يشعر أنه قريب من تفكير الرئيس أحمدي نجاد أكثر من قربه من فكر صديقه هاشمي رفسنجاني منذ حوالي ثلاث سنوات؟
مهما كان السبب الذي جعل آية الله خامنئي يقرر الاحتفاظ بهاشمي رفسنجاني في منصبه الرفيع، هناك حقيقة واضحة وهي أن خامنئي يستخدم رفسنجاني كصمام أمان. تجمع الكثير من البخار بسبب سوء إدارة أحمدي نجاد وسلوكه المثير للجدل ويجب تفريغ هذا البخار قبل أن ينفجر النظام، ولا أحد يستطيع أن يفعل ذلك أفضل من رفسنجاني الذي يمتلك سمعة تؤكد أنه ذو وجهين ويغير لونه بسرعة، وبأنه يمتلك براعة سياسية حقيقية تجعله مناسبا ليستخدمه خامنئي في مواجهة الرئيس أحمدي نجاد حتى تنتهي فترته الرئاسية. ما قاله رفسنجاني في مقابلته الصحفية مع مجلة (إنترناشيونال ستوديز) كان يشكل انتقادا للسياستين الداخلية والخارجية في الوقت الحالي. ربما اكتسب رفسنجاني ثقة بسبب إعادة تعيينه في منصبه، ولذلك وجه انتقاداته إلى الرئيس أحمدي نجاد وسياساته تجاه الـسعودية، وكذلك العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة حيث يتساءل رفسنجاني: "لماذا لا نتحاور مع أميركا؟"
رفسنجاني عبر عن اعتقاده خلال المقابلة أن السعودية والدول العربية الأخرى مهتمة بإقامة علاقات تعاون مع إيران. وأشار رفسنجاني إلى الفترة التي قضاها كرئيس للجمهورية ومحاولات التقارب مع السعودية والدول الأخرى في تلك الفترة، لكنه قال إن حكومة أحمدي نجاد لم تتابع جهوده. وأكد رفسنجاني أن العلاقات مع السعودية ليست أمرا جانبيا بالنسبة للمنطقة، لأن السعودية دولة قوية اقتصاديا وهناك مصالح كثيرة في إقامة علاقات جيدة معها، كما أنها ترتبط بعلاقات جيدة مع معظم علماء المسلمين، ولها مكانة خاصة عند جميع المسلمين بسبب وجود الحرمين الشريفين فيها.
أهم شيء قاله رفسنجاني في المقابلة وقد لا يعجب الرئيس أحمدي نجاد ومعاونيه كان حول النفط. مع تضييق العقوبات حول الاقتصاد الإيراني، آخر خطوط الدفاع لإيران هو دخلها من تصدير النفط. الشعب الإيراني والحكومة الإيرانية يعرفون أنهم سيعانون من وضع صعب جدا في حال قام جميع زبائن النفط الإيراني بتقليص استيرادهم من النفط من إيران. في حال عمدت الهند وتركيا وجنوب أفريقيا واليابان إلى تقليص مشترياتهم من النفط الإيراني، قد تضطر إيران إلى بيع نفطها في السوق السوداء بأسعار أقل كثيرا من سعر السوق، وهذا سيؤثر بالطبع على دخل الجمهورية الإسلامية وبالتالي على اقتصادها بشكل سلبي.
علينا أن نفهم الآن أهمية هاشمي رفسنجاني بالنسبة للمرشد الأعلى للثورة آية الله علي خامنئي. المرشد الأعلى يحتاج شخصا يمتلك ما يكفي من الخبرة وما يكفي من الشجاعة لانتقاد السياسة الخارجية ويسلط الضوء على نقاط الخطأ لكي يلتفت إليها رجال السياسة الآخرون كي ينقذوا البلد قبل أن يدخل في طريق لا رجعة فيه. رفسنجاني يثير تساؤلا يستحق الوقوف عنده عندما يقول: "لو كانت علاقتنا مع السعودية جيدة، هل سيتمكن الغرب من تطبيق عقوبات علينا؟ وبالتالي لن يستطيع أحد أن يفرض عقوبات نفطية على إيران لأن الاقتصاد العالمي لا يمكن أن يسير دون نفطنا. أعتقد أنه في هذه النقطة لا زال بالإمكان بناء علاقات جيدة مع السعودية".
هل تؤشر تصريحات رفسنجاني إلى تغييرات في هرمية النظام؟ ربما نستطيع أن نحصل على إجابة أفضل بعد اجتماع 5+1 مع إيران.