قبل أيام توفي جاك ويلش، المدير الاستثنائي في الثقافة الأمريكية والعالمية، والذي كثيراً ما تناقل الإداريون أحاديثه وأساليبه في كتاباتهم وبحوثهم. جاك ويلش، المهندس الذي تفتخر به جنرال إليكتريك من بين قياداتها وقاداتها التاريخيين كافة.

ورغم أن لبعض الإداريين وجهة نظر أخرى، تتمثل في أن جاك يعتبر أحد أكبر السفاحين الاقتصاديين في عالم الإدارة الحديث، حيث استطاع توسيع قاعدة جنرال إليكتريك إلى أن تصبح عملاقاً ضخماً يلتهم في مسيرته كل المنافسين الآخرين، ولكن ذلك تم على سحق الطبقات الصغرى من الموظفين المنتمين لشركته، لأنه تعامل معهم كما يتعامل الإنسان مع الآلة، إذ إن الطرد مآل ونهاية من يفشل في تحقيق أهدافه المطلوبة منه.

المهم، شئنا أم أبينا، جاك ويلش يعتبر وبلغة الأرقام المجردة من أعظم قيادات الإدارة رغم خلفيته الهندسية. وهذا الموضوع، يجرني للحديث عن نقل التقاطة جميلة أثارها الصديق المهندس عبدالعزيز النغيمشي في كتابه الجميل الصادر أخيرا (هكذا حصلت على الماجستير)، حيث يقول المهندس إنه عندما تقدم لدراسة الماجستير في الإدارة العامة، سألته لجنة القبول كيف يدرس الإدارة وهو مهندس؟ فأجابهم بأنه يرى أن الوظيفة الحكومية هي المكان الأنسب له، ولذا فقد قرر دراسة أساليبها وإجراءاتها وإستراتيجياتها، من أجل أن يحقق أهدافه وأهداف وزارته التي ينتمي إليها، من خلال فهمه لتراكيب وفلسفة العقل الإداري. يقول عبدالعزيز؛ إن هذه الإجابة كانت حينها جيدة في نظري وفي نظر الأساتذة، والدليل أنهم قبلوني في البرنامج، ولكني أدركت في نهاية المرحلة الدراسية أن إجابتي تلك، كانت قاصرة نوعاً ما. ويضيف؛ بأن المهندسين يفكرون دائماً بطريقة محددة، وهي أن الوقت والأسلوب والتكلفة والجودة، تعتبر في منظورهم، الأشياء الأساسية التي يبحثون عنها بالضرورة. وهذه الأمور قد حفزت عدداً من المهندسين، لأن يكونوا الرواد الأوائل الذين يضعون قواعداً لبعض المدارس الإدارية، والتي تدرس اليوم كمنهجيات ونظريات ليست قابلة للنقاش. فهنري فايول مؤسس نظرية التقسيم الإداري كان مهندساً يعمل في شركة تعدين. وفريديك تايلور واضع نظرية الإدارة العلمية أيضاً كان مهندساً ميكانيكياً. وفرانك جلبرت، وهنري جانت أيضاً كانا من مهندسي خطوط الإنتاج. ثم يتحدث عن نجاحات المهندسين الحاليين الذين غيروا من صيغة الإدارة في شركاتهم، وبذلك قفزوا بها مراحل متقدمة.

أعجبتني هذه الالتقاطة، وأعجبني الكتاب اللطيف الذي يجمع ما بين التحديات والنجاحات. ولكني أعود إلى مقال كتبته هنا قبل فترة، يتحدث عن أهمية وضع هيئة سعودية مهمتها منح الرخص الإدارية والقيادية للعاملين في القطاع العام والقطاع الخاص التابع للحكومة. وأعتقد أنني لا زلت عند رأيي السابق بضرورة وضع الاختبارات الإدارية لمنح الرخصة اللازمة للعمل الإداري. ورغم إعجابي بما خطته أنامل المهندس عبدالعزيز، إلّا أنني أقول حتى المهندسين في قطاعات الحكومة والشركات التابعة لها، يجب عليهم التعلم مما أنتجته عقول الإداريين. وكذلك أهمس في آذانهم بأن عليهم أن يقرؤوا هذا الكتاب الأنيق في شكله والجميل بأفكاره، فبالتأكيد لن يندموا.