تأخر العلاج
أُصيبت فوزية (58 عاماً) بألم في الرأس، فخضعت للفحوصات الطبية اللازمة، وتم إبلاغها أنه ورم يتطلب الخضوع لعملية جراحية. لكنها خرجت من العيادة هاربة إلى الرقاة على أساس أن عينا أصابتها من أحد مجالس النساء خصوصاً أنها طاهية ماهرة.
قال لها أحد الرقاة إنها مصابة بعين، وطلب منها إغماض عينيها لرؤية من أصابها، وقالت إنها بالفعل رأت واحدة، ثم طلب منها الوضوء، وإرسال ماء الوضوء إليه، لكن الأعراض التي أصابتها وهي شلل نصفي لم تتحسن أو تختفي، فعادت إلى المستشفى بعد مدة وقد كبر حجم الورم من 8 سم إلى 13 سم.
تقول «عندما أجبرت على الخضوع للعملية الجراحية لم أكن مقتنعة بإجرائها، وكنت متمسكة بأمل أن ما بي ليس ورما بل عينا، فاتصلت بالشيخ لزيارتي في المستشفى والقراءة علي، لكني لم أحصل على أي فائدة، فخضعت أخيرا للعملية وكانت صعبة جداً نظراً لتأخر الوقت».
وأضافت «اليوم وبعد مرور شهرين، ندمت على التأخير في إجرائها، حيث كبر حجم الورم خلال فترة علاجي بالرقية نحو 5 سم، وأوصي جميع المرضى شفاهم الله بسرعةِ الاستجابة لأوامر الطبيب؛ لأن التأخير قد يفاقم المرض».
الشك في العين
أما سلمى (48 عاماً)، وهي قائدة سيارات ماهرة، فإنها لما وجدت صعوبة في المشي، خضعت لأشعة، وعلمت أن ورما بالدماغ أصابها هو سبب الثقل في حركتي الساق واليد.
وقف أهلها أمامها، وضد الخضوع لعملية جراحية، وأرجعوا الأمر إلى العين، وبعد محاولات عدة للرقية لم تستفد، اضطرت إلى استئصال الورم جراحيا.
تقول سلمى «للأسف كل شيء يصيبنا يرجعه المجتمع إلى العين، وبهذا تتفاقم الأمراض ونحن في مجالس الشيوخ للرقية، بينما يمكننا أن نرقي أنفسنا ونستمر مع الطبيب المعالج، وهذا ما تعلمته من تجربتي بعد أن أُصبت بورمٍ في الدماغ، وبقيت أبحث عن رقاة، لكن الله هداني بأن أتخذ قرارا سريعا قبل استفحال المرض وتم استئصال الورم».
اعتقاد خاطئ
تقول سارا (44 عاماً) إن الطبيب أبلغها بإصابتها بورم خبيث في الصدر، فجن جنونها، وقالت «خرجت من العيادة واتصلت براقٍ فطلب مني زيارته للكشف علي، ثم أبلغني أنني مصابة بالعين، وقرأ علي وأعطاني ماءً للشرب وزيتاً لأضعه على مكان الورم».
وتابعت «أصرّ زوجي على الذهاب إلى بريطانيا للفحوصات، وبالفعل سافرت، وأبلغني الطبيب أن هناك ورما في الصدر. لم أقتنع، وعدت إلى المملكة للراقي الذي طلب مني الاستمرار معه في العلاج بمقابل مادي، وعدم العودة لعيادات الأطباء، ومرّ الوقت لكنني لم أُشفَ، ولما أخذني زوجي للطبيب مرة أخرى قال لي إن المرض انتشر؛ لأنني تأخرت، ولابد من إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم وقبل الحاجة إلى العلاج الكيميائي، فخضعت للعملية، وتعافيت تماما والحمدلله».
ثقافة الفرد
كشف استشاري أمراض جراحة الأورام الدكتور تيمور حمزة الألشي أن «كثيرا من الحالات المصابة بالأورام تخشى أن السبب هو العين، وهذا أمر لمسته ورأيته كثيرا في العيادة، ويعتمد على مستوى تعليم الفرد وثقافته العامة».
وأضاف تيمور أن «بعض المرضى يعتقدون أن الورم هو عين أو حسد أو سحر وهذا ما أسمعه من البعض من فترة لأخرى، والمشكلة أن بعض الرقاة يتخذون الرقية تجارة مما يجعل الحالة تتطور والمرض يستفحل ويرتفع الورم سواء في الدماغ أو الثدي أو القولون من مرحلته الأولى التي يتمكن فيها من الشفاء بنسبة 95 % إلى المرحلة الرابعة وينتشر الورم ويصعب حينئذ استئصاله وتنخفض نسبة الشفاء إلى 25 % لورم الثدي و40 % للقولون».
وتابع «لا يصعب العلاج فقط بل تزيد التكلفة أكثر على الدولة؛ لأن العملية في بداية المرض تكون أسهل، ولا يحتاج المريض إلى علاج كيماوي أو جراحي أو هرموني أو إشعاعي، لكن مع التأخر نحاول أن نجعله فقط في مرحلة مستقرة، وانتشار المرض في المنطقة سواء الرئة أو البطن أو غيرهما يشكل استنزافا ماليا للدولة».
ويوضح «بعض المرضى يقعون ضحايا للرقاة الذين يطلبون منهم عدم الذهاب للأطباء، وأن يكملوا العلاج معهم بالقراءة والزيت فتصبح الحالة حرجة ثم يعود المريض للعيادة وقد استفحلت حالته الصحية تماماً».
وأضاف «القرآن الكريم والسنة النبوية هما ديننا الحنيف، وإذا وجدت فيهما أمثلة فهي من الإعجاز القرآني، وما يتميز به الرسول عليه السلام، لا يُقاس علينا، حيث لا يجب استبدال الطب، لأننا نختلف عن هذه المعجزات وعن رسولنا الكريم».
استفحال الورم
يرجع طبيب الجراحة العامة الدكتور عادل تركي مشكلة الاعتقاد الخاطئ بالعين إلى الجهل؛ لأن الله أمر بالتطبب، ولا يجب الاستعاضة بالرقاة عن العلاج الطبي، ومن أراد التعلق بالقرآن فليقرأ على نفسه، مضيفا «القرآن فيه الشفاء، ولا جدال فيه، لكن يجب أن يستعين المريض بالأطباء في علاجه أيضا، ولا يلجأ إلى الشيوخ ثم يعود متأخرا للعيادة بعد أن يستفحل المرض».
وتابع «الورم عبارة عن ذرية تنبت يجب أن تُزال؛ لأنها تسبب أضرارا، وقد تؤدي إلى الوفاة، حيث يجب أن نأخذ بالأسباب كلها فنقرأ القرآن الكريم ونزور الطبيب».
إصرار المرأة
يقول الشيخ أبو رامي إن «المرأة عندما تأتي لزيارته تؤكد وتصر بأنها (معيونة)، وعندما أقرأ عليها لا أشعر بشيء يبين تعرضها للعين، لكنها لا تقتنع إلا إذا قلت لها إن هناك عيناً أصابتها، لذا أضطر أن أجاملها، وأقول لها إنها تعاني من العين، مع أني حين سألتها عن أعراض العين لم أجد أي أعراض عليها مثل التقرحات أو علامات على الجسد أو صداع أو ألم في الظهر أو ضيق في الصدر»، مضيفا أن أكثر من شخص زاره يشتكي من الأطباء كونهم أبلغوه بضرورة الخضوع لعمليات جراحية، وأن هناك ورما في منطقة معينة من الجسد، وهم يصرون على التداوي بالقراءة.
الجهل والكسل
يقول الشيخ هشام الحبشي إن «الخوف من العين ورد إلى كل مرض وإخفاق وفشل، حيث أصبحت العين شماعة الجهلاء والكسالى، أما الجهلاء فهم الذين لا يعرفون التفريق بين أعراض الإصابة بالعين والإصابة بالأمراض الأخرى فيعلقون جهلهم على شماعة العين والحسد، وأما الكسالى فيعلقون إخفاقهم وفشلهم أيضا على شماعة العين والحسد حتى يهربوا من النقد والتوبيخ». وأضاف «نحن لا ننكر تأثير العين والحسد إنما ننكر أن نرد كل أمراضنا وما يصيبا من فشل أو إخفاق في الحياة إلى العين والحسد فهذا هو الهوس الذي ننتقده».
الجمع بين اثنين
الأخصائية النفسية، رئيسة مجلس إدارة جمعية حماية الأسرة سميرة الغامدي تقول «عندما تواجهنا المصاعب نرمي الصعوبات على حيلة معينة؛ لأننا لا نملك منطقية في التفكير»، مضيفةً أن «موروثنا الاجتماعي يقول إن هناك حسدا أو عينا، لكن كل أمر يتم فهو بإرادة الله تعالى، ويمكن التحصن منه، كما أن الرسول عليه السلام أمرنا بالتداوي بالصدقة وأمرنا بالدعاء ولم يوجهنا بعدم زيارة الأطباء». وتضرب الغامدي أمثلةً على النساء المهوسات بالعين قائلة «إذا كعب الحذاء انكسر قلنّا «عين»، وإذا سقطت المرأة فيعني أنها محسودة!، وإذا واحدة تطلقت يجعلنّ العين هي السبب، وإذا واحدة تعرضت للمرض الخبيث فهو «عين»؛ لأنها جميلة رغم أن المرأة غير الجميلة أيضا تصاب بالمرض ذاته. وكل هذا ليبعدّن عنهن العتب والمساءلة».
وتقول «نتمسك بكتاب الله وسنة الرسول عليه السلام، لكن داخلنا قناعات ترتبط بالموروث، وعند الإصابة بالأمراض لا يجب أن يكون الشخص متطرفا فيلجأ إلى شيخ قد يكون دجالا دون زيارة الطبيب. يجب أن يسير الشخص في كل الاتجاهات ومنها الذهاب إلى الطبيب والقراءة على نفسه معا. سبق أن جاءني مريض قال لي إن جنيا قد تلبس به، وعندما التزم بالدواء الذي صرفته له تعافى، فأين الجني؟!».
وتشدد الغامدي على «أهمية الوعي، والله سخر العلم والأطباء والمسلمين بينهم كان أشهر الأطباء كابن رشد وابن سينا. وعندما يكون هناك مريض بالسرطان عليه أن يتخذ قرارا سريعا باستئصال الورم أو الخضوع للعلاج الكيميائي. فكل شيء بيد الله، والله يحب أن نأخذ بالأسباب ثم نتوكل عليه»، موضحةً «يجب التحصين والإجراء الطبي والتوكل على الله، فنحن نفتخر بأولادنا وبناتنا إذا دخلوا كلية الطب فلماذا ندخلهم إذا كنا غير مقتنعين بهذا المجال؟!».
وفيما يتعلق باللجوء إلى الشيوخ تقول «إذا قرأ الشخص على نفسه فهو قد يكون أقرب لله من علاقته بشيخ راقٍ، كما لو أن الشخص قدّم على وظيفة فهل يأخذ غيره للمقابلة الشخصية؟».
«العين» في ثقافة الشعوب والديانات
الإسلام: تعد العين معتقدا شائعا، يؤكد أن هناك أناسا لديهم القدرة على التسبب بالضرر أو التأثير على الناس أو الحيوانات أو أي كائن بمجرد النظر إليه، والمسلمون يعتقدون أن الله وحده يستطيع حمايتهم ضد الإصابة بالعين، وليس أي رمز أو كائن آخر.
الحبشة: الإيمان بالعين الحسودة أو كما يطلق عليها في إثيوبيا «بودا» واسع الانتشار في إثيوبيا، لذلك يحمل بعض نصارى إثيوبيا تميمة أو تعويذة تعرف بـ«الكتاب» وتستغيث باسم الإله، وذلك لردع «بودا» من أي تأثير سلبي عليهم.
اليونان: تعرف العين الحسودة بعين «ماتي»، وهي تعني الأداة البصرية المخصصة للوقاية من الشر، وتعد عقيدة راسخة لدى اليونانيين يعود تاريخها إلى القرن الـ6 قبل الميلاد على أقل تقدير عندما بدأت في الانتشار على أوعية الشرب.
إيطاليا وصقلية: تكون التميمة عادةً على شكل قرن صغير وملفوفة بعناية، وتكون منحوتة من المرجان الأحمر أو مصنوعة من الذهب أو الفضة، أما الشكل المستوحى منه القرن ليس كقرن الغنم أو الماعز، بل هو قرن ملفوف يشابه قرن حيوان الإند الأفريقي.
الآشوريون: يؤمنون بالعين الحاسدة، فهم عادةً يقومون بارتداء قلادة مصنوعة من الخرز الأزرق أو الفيروزي لحمايتهم من العين.
الديانة اليهودية: تعتقد أن العين الصالحة غير الحاسدة تشير إلى النية الحسنة واللطف تجاه الآخرين، لكن العين الحاسدة هي على خلاف ذلك، فهي تدل على موقف معاكس.
الهندوسية: تسمى العين الحسودة في شمال الهند الحديثة بـ«نزار بوري» أو«درشتي» باللغة السنسكريتية، وهي اعتقاد قديم في الهند، وهناك عدة طرق مذكورة في آثار فافيدا لردعها.
أمريكا اللاتينية: من أوائل المعرضين لمخاطر العين أو الـ«مال دي أوجر» في أمريكا الوسطى والمكسيك، هم الأطفال الرضع، وغالباً ما يتم منحهم أساور للبسها معلق فيها تمائم للحماية من العين، وعادةً ما يرسم عليها عيون زرقاء بشكل عشوائي.
المكسيك: سبب الإصابة بالعين لا يعود للحسد فقط، لكن طالما كان الحسد جزءا رئيسيا للإصابة بالعين فسيظل هناك دائماً إحساس بانعدام الأمن وخوف متعلق بهذه القوى المعادية للبيئة المحيطة.