اشتهر سقراط الفيلسوف بأسئلته المزعجة أثناء مناقشاته، ومما يرويه أفلاطون عن معلمه سقراط قصة ذلك الاجتماع الذي جمع سقراط ببعض النافذين وأرباب المال والفلاسفة، إذ لم يلبث سقراط أن يمارس طقوسه التشكيكية ويلقي الأسئلة تباعا حول شتى المواضيع ليقف في آخر المطاف عند مفهوم "العدالة" ليسأل الحضور عن تعريفها.
متأكد أنا أنه لم يدر بخلد سقراط وصحبه أن نقاشهم هذا المليء بوجهات النظر المتباينة كان قد وضع بذرة نقاش لم ولن ينتهي عن تعريف العدالة، إذ إن التعريف لا يزال محل جدل حتى اليوم وسيبقى كذلك حتى يحكم الله بيننا.
من ضمن ما سأل سقراط رفاقه: "هل تكمن العدالة في مفهوم التقوى أم أن العدالة هي القوة؟ هل الأفضل أن تكون صالحا وطيبا أم الأفضل أن تكون قويا وشجاعا؟" وحمل لواء هذه الأسئلة من بعده تلميذه النجيب أفلاطون في رحلته المكوكية محاولا أن يجيب عن تعريف العدالة، فوجد نفسه يحوم حول ذات المفهوم من أوجه مختلفة يوصله كل منها لمعنى يناقض الآخر، إذ درسها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية والنفسية والسياسية. فوجد أن العدالة من الناحية الأخلاقية تكمن في التقوى، بينما هي من الناحية السياسية والاقتصادية تكمن في الغلبة والقوة؛ حيث يكون للقوي فقط حق فرض مفهوم العدالة الذي لايحق للأضعف أن يخالفه، ولحماية هذا المفهوم يضع القوانين ويسن العقوبات فيصبح الخارج عن العدالة وفقا لمفهوم القوي خارجا عن القانون ومستحقا للعقوبة وإن كانت تلك العدالة جائرة في ذاتها.
عندما عاد أفلاطون من رحلته، قدم لنا كتابه الخالد "الجمهورية" ووضع فيه نظريته عن المدينة الفاضلة، التي لم تكن في يوم من الأيام ولا يمكن لها أن تكون، لأن أفلاطون بناها على خيالات مثالية غاية ما وصلت إليه أن أعطتنا وسما جديدا لكل ما من شأنه أن يكون مثاليا لا يمكن تحقيقه فنوسمه أنه "أفلاطوني".
تلك المثالية النموذجية التي حاول أفلاطون أن يؤسس عليها مدينته الفاضلة ليصل بها إلى جمع متناقضات العدالة في بوتقة واحدة؛ لم تكن في ذاتها سوى خرق لأهم مبادىء العدالة وسلب لحرية الأفراد وتخير شخصي لأفراد المجتمع بحيث تشكل القلة الطبقة الغالبة وتبقى الأغلبية خارجها لأنهم لا يستحقون الانضمام للمدينة الفاضلة. لقد كانت نخبوية مجحفة لكي يحقق العدالة في مدينته الفاضلة. فهل يمكن للإجحاف أن يصل بنا إلى العدل؟
قبل أن نستعجل الحكم بالنفي عن إمكان تحقيق العدل من خلال الإجحاف، علينا أن نبتعد قليلا لننظر لمصلحة الجماعة في مقابل مصلحة الأفراد، ثم نسأل أنفسنا أيهما المغلب على الآخر عند التعارض؟ عقوبة الإعدام تمثل ساحة ممتازة لتباين وجهة النظر بين طرفي المعادلة. الذين يغلبون مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة يجرمون عقوبة الإعدام ويعتبرونها نوعا من أنواع الانتقام وأنه من الأولى أن يرتقي الإنسان عن فكر الغاب وإزهاق الأرواح وإن كانت أرواحا آثمة، وبدلا من ذلك فإنه من الأولى أن يتم تقويم خلق ذلك الإنسان من خلال تهيئته وتعليمه ليتعايش مع المجتمع ويتحول من نموذج القتل لنموذج التعايش وربما التطوير.
الفريق الآخر يرى أن بقاء القاتل حرا طليقا وإن تم تهذيبه وتأديبه ليتعايش مع المجتمع فإنه في ذاته فتح لباب الانتقام وتبادل القتل، لأن الحال قد يصل بأولياء الدم أن يقتلوا القاتل إن لم تقم السلطة بمعاقبة القاتل بالقتل. وعلى هذا فإن الإعدام في نظر هذه الفئة هو في ذاته درء لمفسدة الانتقام.
إذن الفريقان يستهدفان تحقيق العدالة، ولكن الطرحين يكرسان مفهوم "نسبية العدالة" وأنه من المستحيل أن تكون هنالك عدالة "مطلقة"، فلكي تحقق مصلحة الجماعة فظاهر الأمر إجحاف ببعض الأفراد ولكي تحقق مصلحة الأفراد فظاهر الأمر إجحاف بالجماعة، وللفريقين وجهة نظر مقبولة مقابل الأخرى.
بقي أن أشير إلى أن "نسبية العدالة" تعني أنه ليس من حقنا عدم وسم أمر أو قرار بأنه قرار غير عادل أو قرار مجحف دون النظر في نتائجه و"الغاية" منه ثم نمر على التفاصيل بعد الاتفاق على الغاية. للأسف أن ما يحصل لدينا هوالعكس، إذ إننا نختلف ونتعارك ونشرع السيوف ونمد الرماح ونسيل دماء الفكر حول التفاصيل ونبقي "الغاية النهائية" التي نريد جميعا الوصول إليها أسيرة خلافاتنا حول مثاليات أفلاطونية من صنع خيالنا لا تمت للواقع بصلة.
تغريدة: بيني وبينك حاجز وهمي اسمه "اعتذار" سيسقط بمجرد أن يلامسه إحساس "العفو" دون تبرير أو محاسبة أو انتظار. أما أنا فقد عفوت! أهلا بكل القلوب.