كان المتندرون في مواقع التواصل الاجتماعي، يجدون في قناة العالم مادة دسمة للسخرية من التناقضات التي تمارسها بوصفها أنموذجا للإعلام الموجه إلى حيث "لا وجهة"، سوى واد سحيق ليس به غير القناة نفسها.
أما الآن، فقد ظهرت قناة الدنيا، لتكون منافسا قويا لـ"العالم"، حيث الخطاب الإعلامي المكرور، وحيث يردد المواطنون الذين تلتقي بهم القناة العبارات التي "تزكم" الآذان في تقاريرها ونصوصها الإخبارية نفسها، وكأن المواطن السوري "المغلوب على أمره"، ليس إلا ببغاء، يردد ما تقوله "الدنيا"، عن وعي منه ببلاهة الخطاب، أو دون وعي بأن ذلك الخطاب صناعة ممجوجة تجاوزتها المرحلة، ومجّها الزمن، ولم تعد قادرة على الإقناع إلا بالقوة، ولا أدري كيف يكون الإقناع بالقوة؟
خذوا مثلا هذه العبارة في شريط "الدنيا" الإخباري: "مجموعات مسلحة في درعا وضعت حواجز أسمنتية على الطرقات وأشعلت النيران ورشقت قوات الشرطة بالحجارة"، والسؤال الآن: كيف تكون هذه المجموعات مسلحة، وترشق قوات الشرطة بالحجارة؟ أليست مسلحة وإرهابية؟ فلماذا اكتفت "المجموعات المسلحة" بالحجارة، ولم تستخدم سلاحها؟
هذا الأنموذج من تناقضات "الدنيا" ليس وحيدا، بل إن نظائره كثيرة، لكن الأدهى منه هو تلك التقارير التفنيدية التي تشبه "الإبرة في العضل"، وذلك حين تحاول القناة تفنيد خبر أو تقرير بثته "العربية" أو "الجزيرة"؛ فتجمع اللقطات إلى جانب اللقطات، وتعلق عليها بنص ذي لغةٍ شعاراتية محنطة، وفي النهاية، يكتفي المشاهد بابتسامة تشبه علامة تعجب في عنوان رئيس، لأنه يدرك أن مثل هذه الطريقة، وتلك اللغة ليست إلا قشة الغريق في مستنقع آسن شكلته يداه.