على عكس السائد، وعكس تلك الصورة التي صدرت لنا على الدوام عن انبهار المشرقي بالغرب ومنتجه وحضارته وثقافته، جاء كتاب «ألفونس إتيان دينيه» الذي ألفه الدكتور الطيب بودربالة، ضمن مشروع 100 كتاب وكتاب الذي دشنته «جائزة الملك فيصل العالمية» بالتعاون مع معهد العالم العربي في باريس، ليقدم لنا صورة انبهار الغربي بالثقافة الصحراوية العربية، وبالإسلام، حيث اعتنق الإسلام ودافع عنه، ليصبح بعد ذلك معروفا باسم نصر الدين دينيه.

مواهب

يوضح الدكتور بودربالة «دينيه مبدع متعدد المواهب والقدرات، فهو رسام وأديب ومفكر وسياسي وأنثربولوجي، دافع عن الإسلام والجزائر، وكان وفيا للصحراء الجزائرية، حتى إنه دفن في بوسعادة (نزولا عند رغبته)».


ويتناول الكتاب نشأة دينيه، من خلال مساره مع الرسم والأدب والفكر، ومختارات من كتاباته، ومختارات أخرى حول ما كتب عنه، كما يتضمن الكتاب نماذج من لوحاته الإبداعية التي خلّد بها الصحراء الجزائرية.

تحولات

حاول بودربالة الغوص في السيرة الثقافية والإبداعية لدينيه الذي عاش بين قرنين، وعاصر تحوّلات كبرى غيرت مجرى التاريخ الإنساني، ويقول «دينيه خير شاهد على العصر (الإمبراطوري) الذي مكّن أوروبا من بسط نفوذها وإحكام سيطرتها الثقافية والاقتصادية على العالم، حيث تلقى تكوينه في الفنون التشكيلية لمدة 4 سنوات بعد حصوله على البكالوريا، وشاءت الأقدار أن يسافر إلى الجزائر سنة 1884، مع فريق من الباحثين في علم الحشرات، فتكررت بعدها الزيارات للجزائر وتعاقبت، خاصة لمدن الجنوب التي بهرته وسحرته».

سحر

تقول مقدمة الكتاب «اكتشف دينيه في الصحراء نوعين من الذهب.. ذهب الرمال وذهب أشعة الشمس».

ويكمل بودربالة «رغم بداياته كمستشرق، إلا أن دينيه تجاوز الاستشراق التقليدي، واندمج مع أسلوب الحياة في الجزائر، حيث اختار بوسعادة إقامة دائمة له، وألهمته روائع إبداعاته العالمية، ثم قرر اعتناق الإسلام بعد مسار طويل وشاق، ليصبح من كبار المدافعين عن الإسلام والمسلمين بريشته وبقلمه وبنضالاته السياسية، وبكتاباته التي أثرت في الفكر الإسلامي المعاصر، مثل (حياة محمد)، و(الشرق) (في نزر الغرب)، و(الحج إلى بيت الله الحرام)».

صورة

خلاف الصورة النمطية التي رسمها بعض المستشرقين للعرب والمسلمين، والتي حاولوا من خلال أعمالهم الأدبية وغير الأدبية، أن يجعلوها قاتمة سلبية، موصومة بالجهل والتخلف والفشل والذل والانهزام، جاءت أعمال ومؤلفات دينيه لتقدم صورة مغايرة وحقيقية للعربي والمسلم، فقد ظهر وهو المولود لعائلة برجوازية، وكان والده قاضيا فرنسيا بارزا، عاشقا لمدينة بوسعادة الجزائرية، التي تحتوي على بيته المسمى اليوم بمتحف نصر الدين دينيه الذي أنشأ في ثلاثينيات القرن الماضي، مجسدا الانتقال من تلافيف الحضارة المادية إلى رحاب الإسلام، وقضى فترة طويلة في واجهة بوسعادة يستلهم من جمالها لوحاته وإبداعاته التي تمثل صورة الحياة الصادقة الصافية في وجوه نساء جميلات يعتمرن اللباس التقليدي ويمشين إلى الواحة فيسحرن الناظر إليهن.. لقد عبر نصر الدين الفنان المسلم حدود الجمال الطبيعي، وذهب بعيدا في غور الروح.

تميز دينيه عن بقية الفنانين الغربيين، وحتى بعض المستشرقين الآخرين، بدرايته وفهمه للثقافة واللغة العربية، مما مكنه من العثور على نماذج خاصة في الجزائر الريفية.

ويمكن وصف معظم أعماله قبل سنة 1900 بأنها «مشاهد بشرية واقعية ومعاصرة»، كما زاد اهتمامه بالإسلام، وبدأ برسم الموضوعات الدينية. وكان نشطا في ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الفرنسية، من بين أعماله ترجمة لقصيدة ملحمية لعنترة بن شداد سنة 1898.

مشروع واعد

يرمي مشروع «100 كتاب وكتاب»، إلى تعزيز جهود التعاون في المجال الثقافي والتبادل المعرفي بين الثقافات، من خلال إصدار كتب تقدم للقارئ العربي والقارئ بالفرنسية، عبر مجموعة من العلماء والدارسين العرب والفرنسيين الذين أسهموا في التواصل بين الثقافتين الفرنسية والعربية، وتسلط الكتب الصادرة تحت مظلة هذا المشروع، الضوء على الإسهامات التي قدمها رواد الفكر والتنوير الفرنسيون للتعريف بالثقافة العربية، وكذلك ما قدمه نظراؤهم من رواد الفكر والتنوير العرب لتعريف العالم العربي بالثقافة الفرنسية.



بطاقة دينيه

-رسام فرنسي (عرف كمستشرق باسم ناصر الدين دينيه)

-مواليد باريس 28 مارس 1861 ـ وتوفي في 24 ديسمبر 1929

-حصل على البكالوريا 1879

-التحق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس 1881

-التحق بأكاديمية جوليان للرسم 1882

-زار الجزائر للمرة الأولى 1884

-استقر عام 1904 بمدينة بوسعادة الجزائرية

-اعتنق الإسلام عام 1913

الطيب بودربالة

من مؤلفاته

«حياة محمد رسول الله»

«الحج إلى بيت الله الحرام»

«نزر الغرب»

«الشرق»

دكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية «جامعة السوربون»

أستاذ الأدب المقارن والترجمة بجامعة بانتة الجزائرية منذ 1982

أشرف على 50 رسالة دكتوراه

كتب عن:

1ـ الأدب المقارن

2ـ الأدب العربي المعاصر

3ـ الأدب الجزائري

4ـ أدب الرحلات والترجمات