بعد 3 أو 4 أيام على الأرجح، نستقبل -بحول الله تعالى- شهر رمضان الأغر، جعل الله في دخوله علينا بابا للفرج

من كل هَمّ وغَمّ، وبابا للفرح بكل عفو وعافية، لولي أمرنا في هذه البلاد المباركة -حفظه الله ورعاه- ولنا كلنا، ولجميع العالمين من حولنا.

من أبرز الشعارات التي يتفرد بها رمضان، صلاة التراويح، والتي تسمى صلاة القيام، وستطل علينا في هذا العام -عام كورونا- بطريقة مختلفة عن كل عام، وأعلم أن البعض سيشهر التباكي عليها، والبعض الآخر قد يشعر بأن صومه ليس صحيحا، إلا بتراويح يصليها وفق العادة، وفي هذا إخفاء لآراء فقهية لها وزنها عن أحكام هذه الشعيرة المحببة إلى النفس.

وشخصيّا لا أتفق مع من يريد أن تكون صلاة التراويح عبر ائتمام الناس، عن بُعد، بإمام المسجد وخلفه المؤذن فقط، أو الائتمام بالحرمين الشريفين، وذلك بسبب عدم اشتراط أداء سنة التراويح شرعا، إلا في الجوامع والمساجد.

الخلاصة الفقهية، بدون النظر إلى كورونا، هي أن الأصل في النوافل أن تُصلى في البيوت، وأن تقام بشكل فردي، وبالنسبة لصلاة التراويح فالأولى لمن يريد فعلها جماعة أن يصليها مع جماعة في بيته، أو في المسجد، إن لم يكن عنده مانع معتبر يمنعه عن المسجد، وحديث «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة»، ليس فيه ذكر مكان القيام، ومعلوم أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يفعلونها في المسجد في جماعات متفرقة، وليس جماعة واحدة، وجمعهم سيدنا عمر -رضي الله عنه- على إمام واحد، وتابعه الصحابة على ذلك ومن بعدهم.

بشيء من التفصيل، أذكر باختصار وبإنصاف، جملة من الأقوال التي قد تكون جديدة على غير المتخصصين في العلوم الشرعية، وجاءت جائحة كورونا كي تشيّعها من جديد، ومن ذلك أن جملة من الشافعية والمالكية والأحناف قالوا: «إن الأفضل في التراويح أن تؤدى فرادى في البيت». ونقل الإمام الرعيني في كتاب «مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ج2 ص376»، أن الإمام مالك -رحمه الله- قال «قيام الرجل في بيته في رمضان أحب إلي، لمن قوي عليه..».

وذكر الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتاب «الأم ج9 ص24»، «فأما قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحب إليّ منه»، ودليلهم جميعا حديثه، صلى الله عليه وسلم، «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة»، وحديث «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا».

مما تقدم، ظهر بوضوح أن التراويح في غير وقت كورونا -بشكل فردي- مقبولة، وأنها في البيوت مقبولة ومطلوبة أيضا، وبيوت كثيرة كانت وما زالت تعمل بهذا القول القوي، وأهلها يحيون دورهم بذلك في جماعة.

ومع مشاركتي لمن يشكك في هذه العادة أو في الأقوال السالفة الألمَ على ما يشعر به، فإني أصبّره بأن مغادرة صلاة الجمعة ليست بأقل من صلاة التراويح، وأن الهدف في كل ذلك هو الحفاظ على صحة الأبدان، والحفاظ على أن تكون مساجدنا دورا للطمأنينة والسكينة، وأن نتدرب على التخلي عن العادات، وأن نزداد يقينا في أن الطرق إلى مرضاة الله تعالى، لا حصر لها، وأن نفهم أولا وآخرا من سعة الفقه الإسلامي، ما ذكره الشيخ ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين ج2 ص164»، «الواجب شيء، والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب». اللهم بلّغنا رمضان، في خير وعافية، وزدنا فيه صحة وحكمة وبصيرة.