لم تكن إطلالة رمضان وبدايته هذا العام شبيهة بإطلالاته وبداياته في الأعوام التي سبقت، فلا تجمعات كبيرة للعائلات والأصدقاء، ولا خيم ولا موائد رمضانية، ولا تراويح وتهجد جماعي، ولا فعاليات وأنشطة ومسابقات ودروس ومحاضرات وتسوق، ولا توزيع للماء والتمر واللبن عند الإشارات المرورية، ربما وحدها رسائل التهنئة التي عجّت بها وسائل التواصل الاجتماعي بقيت محافظة على حضورها وزخمها، بل وزادت أهميتها كبديل مقبول ومتاح في ظل ظروف منع التجول، وكذلك التشديد على التباعد الاجتماعي، الذين فرضهما تفشي وباء كورونا الجديد.

رحال غير مشدودة

يعطي الحرمان الشريفان رمضان خصوصية متفردة في المملكة، وغالبا ما حرص السعوديون والمقيمون في المملكة على استثمار روحانية الشهر لزيارة الحرمين، والكعبة، والاعتمار، فلا أمتع من التعبّد في الحرم كل يوم، والإفطار والصلاة فيه.

كما أن النصف الثاني من رمضان يشهد كثيراً من شد الرحال إلى الحرمين لأداء العمرة، أما في العشر الأواخر فإن البعض يشد رحاله للاعتكاف في الحرمين النبوي أو المكي.

لكن رمضان الحالي، لن يشهد تلك الرحال الميممة شطر الحرمين بعد منع التجول المفروض، كما لن تشهد مساجد المملكة جماعية صلاة التهجد بعد صلاة التراويح، ولن يكون مشهد الرجال الداخلين أو الخارجين من المساجد في ليالي رمضان مألوفاً هذا العام.

يقول إبراهيم العمري «أفتقد في رمضان الحالي سماع صوت التراويح والذهاب كل يوم إلى المسجد، كان ذلك طقساً يومياً بالنسبة لي.. كما أفتقد الجلوس مع الأصحاب، ولعب كرة الطائرة في الأمسيات الرمضانية، وهي التي كانت تقليدا رمضانياً عائلياً بالنسبة لي».

تكيّف

توضح رئيسة جمعية حماية الأسرة، أخصائية علم النفس الإكلينيكي سميرة الغامدي أن المجتمع يجب أن يتكيف مع الوضع الجديد، وتقول «ليس هناك شيء مؤلم أكثر من غلق الحرم المكي وهو أطهر مكان على وجه الأرض».

وتضيف «كمجتمع واع ومثقف يجب أن نتعامل مع الوباء بحرص حتى نتخطى مخاطره، فاللقاءات في شهر رمضان المبارك تؤذي البشر، صحيح أن الحرمان منها يوجعنا، لكننا يجب أن نعتبره جهادا للنفس، كما هو الحال في جهاد المرابطين على الجبهات، وجهاد النفس يكون بالتعايش مع الوضع الحرج بانتظار تغييره، وهو يتطلب إرادة قوية».

وتتابع «في أول يوم لمنع التجول، كان الجميع يتساءلون كيف سنمضي أوقاتنا في المنازل، لكنهم تقبلوا الوضع الجديد، وتأقلموا معه، وبدؤوا اختراع وإقامة فعاليات وألعاب شعبية.. علينا ألا نفكر فقط في المتعة الوقتية، إنما نفكر في أهلنا وأحبائنا.. علينا أن نفاضل بين رغبة الخروج في رمضان وبين تسببنا في نفقد بعض أحبابنا نتيجة لعدم التزامنا بالتدابير الوقائية».

وتكمل «نحتاج إلى الصبر والوعي، فالإنسان يصنع محيطه، ومن هنا يمكننا أن نستثمر الوقت في العبادة والدعاء والفعاليات المنزلية التي تعوضنا بعض ما حرمنا منه في رمضان الحالي».

لا تجمعات

حددت ساعات منع التجول في المدن التي لم يفرض فيها منع على مدار الساعة، الوقت من التاسعة صباحاً حتى الخامسة عصرا للتنقل وجلب الضروريات.

لكن بدء المنع في الخامسة، أي قبيل الإفطار بساعة أو أكثر، عنى غياب اللقاءات العائلية للأسر المتقاربة على مائدة الإفطار أو السحور، وهي العادة التي كانت متبعة في السنوات السابقة، حيث كانت الأسر تجتمع قبيل الإفطار وتستمر في السمر حتى وقت السحور.

كما اعتادت جهات كثيرة على إقامة فعاليات رمضانية كل مساء، تقدم فيها المأكولات والمشروبات الرمضانية بدءا من انتهاء صلاة التراويح وتستمر حتى الفجر حيث تقدم وجبة السحور فيها.

واعتاد أفراد وجهات على تقديم موائد رمضانية تفرش في ساحات أمام المساجد، يلتقي فيها كثير من العمالة الوافدة يتناولون أصنافا من المأكولات والمشروبات.

لكن كل هذه المظاهر غابت هذا الشهر، ويقول ناصر الشهري «افتقدت الخروج عصر كل يوم رمضاني لقضاء لوازم الفطور لعائلتي».

ويضيف مبتسما «صحيح أن هذا الأمر كان يغضبني ويتعبني، لكنني افتقدته حقيقة الآن».

لا طوابير أمام التميس

أطباق الجيران

مقاه فارغة

فوانيس أونلاين

قمر وحيد

لم يتخل السعوديون عن إفطارهم الذي يفضلون خلاله تناول التمر والرطب والماء، ويسمّونه «فكوك الريق»، والذي يقيمون بعده الصلاة، ثم يعودون لإكمال إفطارهم الأساسي، الذي يتصدره طبق الفول المدعوم بالسمن البلدي، أو زيت الزيتون، حيث اعتادوا شراء طبق الفول والخبز التميس من بائعيه المنتشرين في محلات صغيرة أو كبيرة في الأحياء، لكن مع رمضان الحالي اختفى اصطفافهم أمام الباعة وعربات المأكولات الشعبية الحافلة بالسمبوسة وخبز التميس والسوبيا في كثير من المدن التي فرض فيها منع كامل للتجول، كما افتقدوا الحلويات المفضّلة مثل الكنافة بالقشدة، والبسبوسة، وبلح الشام.

وافتقدت الفتيات السعوديات لتجمعاتهن لعمل «قبغة» لصديقاتهن، وإعداد ما لذ وطاب من أصناف الطعام كاللقيمات والفيمتو والفطائر والسمبوسة والحلويات، كما افتقدن لجلب الشيبسات والشوكلاته القديمة وصفها في صندوق قديم، يتناسب مع أجواء الغبقة، وافتقدن كذلك للجلابيات الرمضانية التي كن يرتدينها، ولعمل الحناء ووضع المعضد على رؤسهن لاستقبال صديقاتهن في الغبقة.

وفيما يقول محمد العنزي «افتقدت الجلسة في مكتبة جرير بعد التراويح كل يوم إلى منتصف الليل، لكنني أحاول التأقلم مع هذا الافتقاد»، تقول فاطمة العبيد «دخول رمضان علينا ونحن في منع التجول مؤلم، وتضيف» مع ذلك، علينا التفكير بشكل إيجابي، فقد كشفت الأيام الماضية من المنع أنه يمكننا قضاء أوقات ممتعة بالقرب من أطفالنا، والتواصل أكثر مع الصديقات عبر الهاتف، وعدم الاكتفاء بالرسائل.. هذا قرّب الناس من بعضها بعضا.

بأسف تتحدث فوزية القحطاني «أكثر الأشياء التي افتقدتها في رمضان الحالي، وأشعرتني بالألم الحقيقي، هي الدقائق الأخيرة قبل الإفطار، حيث كنت أستمتع وأنا أراقب من نافذة المنزل مشهد صغارنا وصغار الجيران وهم يطوفون لتوزيع أطباق الإفطار، فيرسل كل جار طبقا لجاره أو للمسجد حيث يفطر هناك بعض المحتاجين في تعاضد وتآلف غاب عنا قسراً هذا الشهر».

ومثلها يقول حامد عسيري «كانت طبيعة عملي تقتضي تأخري في العودة إلى المنزل، وكانت مشاهد الرجال والفتيان يوزعون وجبات الإفطار الخفيفة عند إشارات المرور لمن تأخروا مثلي في عودتهم تشدني وتشعرني بروعة هذا الوطن وأهله».

لا تقتصر التغييرات التي جاء بها رمضان الحالي على السعوديين والمقيمين في المملكة، ففي كل مكان في الدول العربية، والإسلامية بدت مظاهره مختلفة عما تم اعتياده.

ففي الأردن وسورية والعراق وغيرها لم تعد المقاهي والمطاعم مفتوحة الأبواب تقدم وجبات الإفطار وسهرات السحور المتأخرة، ولم تعد أصوات نوافير المياه في البيوت الدمشقية القديمة التي تحولت لمطاعم ومقاه تتقاطع مع أصوات العود.

وتتشارك المملكة وغيرها من الدول العربية في افتقادها هذا الشهر للفعاليات والبطولات الرمضانية التي تقام في مثل هذه الليالي، وخلت الملاعب من روادها.

يقول باسل تركي وهو مالك محل كبير للحلويات في مدينة العاشر من رمضان في مصر«عادة ما يكون الإقبال على المحل كبيراً في رمضان وقبيل العيد.. هذا الإقبال تلاشى تقريبا مع منع التجول وقلة التجمعات العائلية».

في الرياض والقاهرة ودمشق وعمان وغيرها من المدن العربية لم تظهر مشاهد الاحتفال المعتادة برمضان، وفي وقت كانت القاهرة تمتاز في هذا الوقت بزحام شوارعها بتجمعات الناس المترددين على الأسواق الشعبية والمحلات لشراء لوازم وياميش رمضان، بدت الشوارع خالية، وغابت التجمعات والحشود الكبيرة في الأماكن العامة والمغلقة، فيما ظهرت زينة رمضان في بلكونات المنازل خجولة، افتقدت للفوانيس التي كانت تغزو كل بيت مصري مع إطلالة الشهر الفضيل.

ومع منع التجول لجأت بعض المحلات لتسويق فوانيسها متعددة الأشكال والألوان والأنواع إلكترونيا، بما فيها الفانوس الخشب والفانوس الملون وفانوس العروسة، لكن أسعار بدت أغلى من المعتاد لصعوبة إيصالها، حيث تراوح سعر بعضها بين 300 و500 جنيه للفانوس الواحد.

سيكتفي القمر ليلة الخامس عشر من رمضان بالخروج وحيدا فقط، فلن يخرج الأطفال، ولن يجوبوا بيوت الحي حاملين حقائبهم وسلالهم لملئها بالحلويات والنقود، في التقليد الشعبي الخليجي المعروف بـ«القرقيعان».

والقرقيعان تقليد سنوي يُحتفل به في معظم بلدان الخليج العربي إضافةً إلى العراق وغيرها من الدول الإسلامية يطوف خلاله الأطفال مرتدين أزياءً شعبية ويرددون الأهازيج التي تختلف حسب كل منطقة، وتوزع الحلوى عليهم.

ويعمد الأطفال إلى ارتداء ملابس شعبية مثل الثوب أو الدشداشة أو السترة، إضافة إلى النعال الشعبية، أما البنات فيلبسن الدراعات والبخنق مع الترتر الذي يُوضع على الرأس، ويحمل كل منهم كيساً لجمع المكسرات والحلوى.

مظاهر اختفت في رمضان

زحام العمرة والتراويح والتهجد في الحرمين

توزيع الإفطار على العابرين عند الإشارات المرورية

صلاة التراويح والتهجد جماعة

اكتظاظ محلات الحلويات الرمضانية

خيم الإفطار الخيرية

تبادل أصناف وأطباق الفطور والسحور بين الجيران

الإفطار خارج المنزل

الغبقات الرمضانية

الإفطار العائلي الكبير

طوابير بيع الفول والتميس والسوبيا

خروج الأطفال في 15 رمضان لجمع الهدايا والحلويات