هل يحق لنا الآن أن نقول: إن هناك واقعا جديدا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن هناك استيعابا جديدا بدأ يظهر لما يجب أن تكون عليه الهيئة ولعلاقتها مع المجتمع؟
أتصور أننا لن نبالغ كثيرا إذا قلنا بذلك.
لم تكد تمر أربع وعشرون ساعة على تناقل المواقع والصحف الإلكترونية خبر تعرض المواطن حسين آل سالم إلى معاملة سيئة من بعض رجال الهيئة أمام ملاهي وحدائق الحكير شمالي العاصمة الرياض، حتى تحدثت الهيئة، ليس من خلال إدارة الإعلام ولا المتحدث الرسمي، بل من خلال معالي الرئيس.
كان حديثه الأول من حيث المبدأ. أي قبل البدء بمباشرة الحادثة موضحا أن مثل هذا التصرف مرفوض وغير مقبول وأنه سيتم التحقيق في الموضوع دون تهاون واتخاذ الإجراء اللازم ضد من تثبت مخلفته للتعليمات ونهج الرئاسة.
فيما مضى، دخلت الهيئة في معارك إعلامية كان بإمكانها أن تتجنبها سريعا لو أنها جعلت من المواطن أولا، وابتعدت عن لغة الدفاع والاشتباك مع الصحافة واتجهت إلى ما هو متفق عليه.
ما المتفق عليه في مثل هذه الحالات؟
إنه ما تحدث به معالي الرئيس حين قال: لدى الهيئة نهج وسياسة واضحة وبالتالي فمن يتحول عمله من أفراد الهيئة من كونه يكف الأذى عن الناس إلى أن يوقع الأذى بهم فقد خالف منهج الهيئة وسياستها.
ذلك التفاعل السريع من معالي الرئيس، يشير إلى جزء مما كانت تفتقده الهيئة، وهو اتصال الرئاسة بالميدان واهتمام رئيسها المباشر بما تطرحه وسائل الإعلام من شكاوى وأحداث، والابتعاد عن الحساسية المفرطة التي كانت تبديها الهيئة واتهامها للصحف بعدم تحري المصداقية والمبالغة وتلفيق القصص عن الهيئة.
مثل هذه اللغة أسهمت في صناعة توتر مزعج للغاية، فالصحافة لا تنشر إلا ما يقوله الناس وهي صوتهم الذي يفترض بكل مسؤول أن يتجه للتفاعل معه أكثر من نفيه وتفنيده.
منذ يومين، كان المواطن حسين آل سالم في مكتب معالي الرئيس، بعد أن تلقى اتصالا يطلب منه الحضور للرئاسة، ما يعني أن رئيس الهيئة قد باشر القضية بنفسه.
سيقول أحدهم: لو لم يكن الإعلام قد نشر هذه القضية لما حظيت بهذا الاهتمام، وليكن، بل على العكس هذا موقف إيجابي للغاية لأن القضايا التي ينشرها الإعلام تتعدى كونها ذات بعد فردي وتتحول إلى شأن مجتمعي يجعل من التعامل الإيجابي مع تلك القضية تعاملا إيجابيا مع المجتمع بأكمله بل ويمثل إعادة صياغة لصورة الهيئة في أذهان الناس.
ومن هنا يجب أن تكون البداية، لأن الناس لا تهتم كثيرا بالتغييرات الإدارية وتغييرات الأنظمة قدر اهتمامها بالتعامل مع القصص التي تحدث في الميدان.
لا يختلف الناس على ما تقوم به الهيئة من جهود إيجابية في كثير من مهامها لكن الخلاف على ذلك الأداء الذي له علاقة بالميدان، والتغير الواسع الذي يشهده الوعي المجتمعي يجعل الهيئة في مواجهة ثقافة جديدة وواقع اجتماعي جديد، يصبح معه الخوف المطلق من أي جهاز من أجهزة الدولة نقطة ضعف لذلك الجهاز وليس نقطة قوة له.
إضافة إلى أن الهيئة في أدائها الميداني تتعامل مع الناس في جوانب يختلط فيها النظامي بالشخصي، أي في منطقة يصعب فيها التفريق بين ما هو حرية شخصية وما هو مخالفة سلوكية.
إضافة إلى الإشكالية الأبرز وهي الإنكار في المختلف فيه. وهو مبحث فقهي واسع، لكنه بالنسبة للجمهور ليس كذلك. فالتفاعل الاجتماعي مع قصص الهيئة في الميدان يشبه التفاعل مع قصص الحوادث المرورية لماذا؟ لأن الجميع يشعر أنه ربما يتعرض لمثل ذلك.
نحن الآن لا ننتظر ما سيقوله الناس عن قصة ما حدث أمام ملاهي الحكير، ولكننا ننتظر ما تقوله الهيئة. لماذا: لأنها حين تدخلت في القضية بهذه السرعة والإيجابية تحولت لتصبح هي المصدر الأهم لدى المتابعين وليس الصحف ومواقع الإنترنت.
إن الرقابة المتعلقة بالبعد الأخلاقي يجب أن تعيد صناعة خطابها بما يلائم واقع الناس وتطور وعيهم، فالسعوديون لم يعودوا مجرد كائنات معزولة، إنهم جزء من هذا العالم يتفاعلون معه وينتمون إلى معارفه سريعة التطور.
الأجهزة الحكومية إنما تعمل من أجل الناس، وبالتالي فمعيار نجاحها هو مدى رضا الناس عنها، ومدى اقترابها منهم وإيمانهم بأهميتها في حياتهم. يبدو أن وعيا جديدا في الهيئة يستوعب ذلك جيدا.