يموت ملايين الناس كل عام بسبب العدوى على الرغم من سهولة الوقاية منها وعلاجها وعلى الرغم من المساعدات المادية والصحية التي تقدم في الأزمات، فالناس بحاجة للعناية بصحتهم النفسية فهم يواجهون تحديات نفسية كثيرة، فالتدابير اللازمة للحد من انتشار العدوى من العزل المنزلي ومنع التجوال قد يكون لها آثارها السلبية على بعض الأشخاص، بل إن الأمر قد يتجاوز ذلك إلى تأزم الحالة النفسية لهؤلاء الأشخاص. وعلى النقيض، فهناك من تمكنوا من إدارة عزلتهم بطريقة إيجابية وفعالة وخرجوا من هذه الأزمة بفوائد جمة ومنهم محمد علي آل قعيص وهو من سكان قرى قرضة بمنطقة عسير.

الطفولة في القرية

يبدأ آل قعيص حكايته بالحديث عن طفولته التي قضاها في قريته الجميلة في ظل والديه منذ ولادته مثله في ذلك مثل كثير من الأطفال، قام والداه برعايته وتربيته وتعليمه كما يقوم أي والدين برعاية أبنائهم ويحكي محمد قائلا: إن لوالديه الفضل الكبير بعد الله عليه وخاصة والده الذي تعلم منه الكثيرمن الدروس في حياته والتي انغرست فيه منذ طفولته كالصبر والتحمل ومواجهة المشاكل وحلها والتغلب عليها وعدم الاستسلام والبقاء قويا برغم كل التحديات والظروف الصعبة وهذا ما عاد عليه بالنفع خاصة بعد وفاة والده في شبابه.



الشباب مع والده

وعن مرحلة الشباب فيضيف محمد "أنها كانت مرحلة جميلة من حياته، حيث كان يقضي يومه في المدرسة صباحا ومع جدته باقي النهار في رعي الغنم وكان والده هو من يقوم بالاهتمام بالمزرعة وكانوا يجتمعون آخر النهار في منزلهم في القرية ليقوم بأداء واجباته الدراسية ثم النوم حتى أنهى دراسته الثانوية وانتقل بعدها للجامعة للبدء في مشوار حياته معتمدا على نفسه".

الانشغال بالمزرعة

وعلى الرغم من تجرعه مرارة الألم ووجع الفقد بعد وفاة والد، حيث إن المسؤولية ألقيت على عاتقه كونه الأخ الأكبر، على الرغم من ذلك كله، فإن لم يثنه ذلك كله عن العمل ومواصلة المسير مع إخوته يدا بيد وإكمال مشوار والده، ولذلك كانت المزرعة أحد اهتماماته الرئيسية، ومنذ ذلك الوقت وإنتاجها مخصص للمنزل وليست استثمارية وذلك لشح المياه في المنطقة.

حرث الأرض

يواصل محمد شارحا، أنه في ظل الأزمة الراهنة التي تعيشها المملكة والعالم أجمع بسبب جائحة كورونا والتدابير الاحترازية من منع التجوال والحجز المنزلي توفر لي الكثير من الوقت، فكرست اهتمامي للمزرعة فأقوم أنا وإخوتي بحرث الأرض في المرحلة الأولى، وبعدها نضع البذور مثل البر (الحنطة)، الشعير، الذرة والعدس لتأخذ دورتها الزراعية من الاهتمام والسقيا حتى نصل للمرحلة الأخيرة وهي الحصاد.

دروس من كورونا

يتابع محمد ذاكرا كيف استفاد من كورونا إيجابيا، حيث إنها أعطته درسا جميلا في تنظيم الوقت وإدارته، فهو يقضي ما يقارب الساعة والنصف يوميا في البستان المجاور للمنزل والذي استثمره في زراعة المحاصيل التي يستفيد منها يوميا هو وعائلته، وقد كان قبل الجائحة عبارة عن تراب فقط، أما اليوم، فهو يعج بالخضراوات الورقية من كزبرة وبقدونس وجرجير وكذلك البصل والذرة. وانعكس اهتمامي بالمزرعة إيجابيا على راحتي النفسية، فكلما شعرت بالملل أذهب إلى البستان أو المزرعة وأتفقد ماذا إذا كانا بحاجة للسقيا. ويضيف محمد قائلا: إنه مما أشعره بالسعادة كثيرا هو رؤيته والدته سعيدة بهذا الاهتمام بالبستان والذي تقضي فيه الكثير من الوقت، فبعد أن كان ترابا أصبح حديقة غناء، وكذلك حرصها على إنتاج المزرعة من الحنطة والشعير، كونها لا تحب أن تشتريها بل تعتمد على إنتاج مزرعتها.

الاستفادة من الأزمة

يستمر محمد في حديثه عن البستان والمزرعة وأن هناك كذلك أشجار الليمون والخوخ وثمارها الكثيرة، موضحا أن قضاءه من 3 إلى 4 ساعات يوميا متنقلا بين البستان والحقل جعله يفكر جديا مستقبلا في الاهتمام بها وتطويرها حتى يصبح إنتاجها يتعدى تغطية احتياجه المنزلي إلى السوق والاستفادة منها تجاريا كمصدر دخل إضافي له ولعائلته.

زاوية إيجابية

قريبا سينتهي كل شيء، ومن المهم أن نفهم ونستوعب أننا نعيش في وطن قدم لنا الكثير والكثير، ولكن السؤال ماذا قدمنا نحن لأنفسنا، ومحمد كغيره من ملايين البشر يعيش جائحة كورونا والآثار السلبية المترتبة عليها في كل مجالات الحياة، ولكنه آثر النظر إليها من زاوية إيجابية بل واستفاد منها نفسيا واجتماعيا واقتصاديا مستقبلا.

دراسات

1- يؤكد مركز الدراسات البريطاني "معهد كينجز كوليدج" في دراسة نشرت بالمجلة الصحية "دو لنسي"، أن "الحجر الصحي عموما هو تجربة غير مرضية بالنسبة لمن يخضعون لها"، ويعتبر أن "العزل عن الأهل والأحباب، وفقدان الحرية، والارتياب من تطورات المرض، والملل، كلها عوامل يمكنها أن تتسبب في حالات مأساوية".

2- إحدى الدراسات العلمية -قليلة العدد- التي أجريت حول هذا الأمر، هي دراسة مرجعية أجرتها عام 2015، جوليان هولت- لونستاد، باحثة علم النفس في جامعة بريجهام يونج الأمريكية، وزملاؤها، وارتكزت على عمل تحليل بعدي Meta-Analysis لنتائج عدد من دراسات سابقة حول آثار العزلة الاجتماعية المزمنة. تقول "هولت– لونستاد": إنه فيما يتعلق بالآثار السلبية التي قد يسببها التباعد الاجتماعي، تجاوبًا مع جائحة فيروس كورونا المستجد، "سيظل الأمر بمنزلة سؤال مفتوح"، مضيفةً أن لديها في هذا الصدد فرضيتين تتنافسان، فهي قلقة من أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الأمور بالنسبة لأولئك الذين يعانون فعليًّا من مشاعر العزلة والوحدة، ولكنها تشدد - في الوقت ذاته- على أنه قد يكون نقطةَ تحفيز لآخرين على التواصل المجتمعي، مفسرةً ذلك بأن الاحتمال الأكثر تفاؤلًا هو أن الوعي المتزايد بطبيعة الوباء سيدفع الناس إلى البقاء على اتصال واتخاذ إجراءات أخرى إيجابية. ولكنها تعود وتستطرد بقولها: "نود أن نجمع بيانات عن ذلك". 3- تعرِّف جيل نعوم -المختص بتدريس أساليب المرونة النفسية من جامعة هارفارد ومستشفى ماكلين- المرونة النفسية في أوقات الأزمات على أنها القدرة على تغيير المواقف والإجراءات الواجب اتخاذها عند ظهور أحداث جديدة أو غير متوقعة. وتتيح لنا هذه المهارة التعامل بسهولة أكبر مع الأزمات والمواقف الصعبة، دون الحاجة إلى فترات طويلة من الزمن.

4-يوضح كريس سيجرين، عالِم سلوكي في جامعة أريزونا الأمريكية، أن هناك تنوعًا هائلًا في قدرة الناس على التعامل مع العزلة الاجتماعية والشعور بالتوتر، قائلًا: إنه من المهم أن نتذكر أنه ليس كل مَن يخوض الأزمة الحالية يكون بمستوى الصحة العقلية ذاته، مشددًا على أن الشخص الذي يعاني بالفعل من مشكلات مع القلق الاجتماعي، والاكتئاب، والشعور بالوحدة، وتعاطي المخدرات، أو غيرها من المشكلات الصحية، سيكون أكثر عرضةً للتأثر بإجراءات التباعد الاجتماعي على نحوٍ سلبي.