كلما شعرتُ بالانكسار في أي درجة من درجاته، وكلما اقتربت من الإيمان بأن مسافات الركض ـ على طولها وكثرة تعرجاتها ـ لن تكون موصلة إلى مستقر أو هدف، وكلما احتجت إلى جرعات من الحزن الرفيع، وحبات من الانكسار المتعالي؛ لجأت إلى صديقنا القديم أبي الطيب المتنبي في داليته المشهورة "عيدٌ بأية حال عدت ياعيد"، لأستوعب أن في التاريخ انكسارات كثيرة، وإحباطات متشابهة، وأن تحقيق الأمنيات منوط بالقدر، أكثر من ارتباطه بالأسباب، فسبحان من قدر لكل إنسان رزقه ومآله وسعادته وشقاءه.

لقد كانت كل أدوات المتنبي كافية لإيصاله إلى المراتب العليا، ومن ثم الحياة في رغد يتسق مع ذي العقل الخارق، والذكاء الفريد، والموهبة الفذة، خاصة وأن اللغة كانت حينئذ أهم المؤهلات المطلوبة في الوزير أو الوالي، لكنها لم تمنح المتنبي الحد الأدنى من طموحاته، مما جعله يصل ـ في تلك الدالية الحانقة ـ إلى ما يسميه علماء النفس بالجري وراء الفكرة الثابتة، حتى الضياع من أجلها، ما يجعل الحياة كلها جبلا هائلا من الإحباط والضجر والحنق على الصاعدين بغير سلالم حقيقية، إلا السلالم المكونة من جهد الآخرين وعنائهم وقدراتهم.

تلك الدالية هي الشقاء الفردي في صورته الواضحة؛ فالناس يحسدون المتنبي على شقائه، بينما هو في محنة ليس في مثلها سواه، مما يجعله منقسما على ذاته إلى شطرين هما: المتنبي الذي يحسده الناس، والمتنبي المحبط المنكسر الذي لم يستطع تحقيق الحد الأدنى مما يطمح إليه.

إن الحنق القوي في تلك القصيدة، دليل قوي على أن المتنبي قد وصل في النهاية إلى الفراغ، وإلى لا شيء، وذلك بعد مرور زمن طويل هو العمر، زمن كله مجالدات ورحلات وصبر وتذلل متعال، ثم كانت النتيجة الأفول، ويالها من نتيجة لا يملك شاعر أمامها إلا أن يغني "أنشودة الغضب" الفاخرة، لتكون شيئا شبيها بنواح الثكلى على من قُتل غيلة.

لا تهمني مساوئ تلك القصيدة، لأن المتنبي لم يكن مشغولا إلا بنفسه، ولا ألتفت إلى عنصريتها البغيضة، ولا يلفت نظري غياب العنصر الإنساني عن رؤيتها العامة، بقدر ما يهمني فيها، ويشفي سُقمي بها، ذلك الإصرار العجيب على قضية الزمن، بعد أن تساقطت السنوات من عمر أبي الطيب كما تتساقط حبات مسبحة مفروطة، دون أن تتحقق أمانيه، ودون أن يشعر بالعدالة، ودون أن يرى الرجل المناسب في المكان المناسب، ليزدهر فيه الإحساس بالغبن، ممزوجا بالإحساس بالموت، حتى إنه لوح بفكرة الانتحار، وتلك أقصى درجات الغبن والانهيار والقهر والانكسار والإحباط.