بدأت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بمتابعة المشاريع الحكومية المتعثرة في عدد من مناطق المملكة، وتهدف هذه المتابعة إلى الوقوف على أسباب تعثّر هذه المشاريع مع إجراء التحقيقات اللازمة في حال وجود مخالفات نظامية.

وقد تساءل البعض عن مهام الهيئة في هذا المجال وعن النتائج التي توصلت إليها وخاصةً أن هناك أجهزة رقابية أخرى تقوم بنفس المهام في متابعة المشاريع المتعثرة!.

فإذا علمنا أن كثيرا من المشاريع المتعثرة قد رصدتها الأجهزة الرقابية الأخرى مثل ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق، ولسنوات عديدة، وقد أوضحت التقارير الرقابية، أسباب هذا التعثّر وكذلك المخالفات النظامية المصاحبة لها، بل وأوضحت أيضاً المشاكل والأخطاء الفنية فيها، وبالتالي أين هي قضايا الفساد في المشاريع المتعثرة؟ وما دور هيئة مكافحة الفساد بالتحديد؟

قد يقول قائل: "إن من مهام الأجهزة الرقابية كشف أوجه الفساد ومتابعة المشاريع، وهذا لا يتعارض مع اختصاصات الهيئة، والتي تساند هذه الأجهزة في القيام بمهامها، ومن ذلك إحالة المخالفات التي تكتشفها الهيئة إليها حسب الاختصاص، وبالتالي هناك تعاون وتنسيق بينهما، بمعنى وجود علاقة تكاملية".

القول السابق ومن الناحية النظرية لا غبار عليه، ولكن المشكلة تكمن في كيفية اكتشاف قضايا الفساد في المشاريع المتعثّرة وإثباتها، وهذه المشكلة تعاني منها الأجهزة الرقابية عموماً، ويبدو أن الهيئة أيضاً قد وقعت في نفس المشكلة وخاصةً إذا علمنا أن للفساد أشكالاً وأنماطاً كثيرة ووسائل مختلفة ومعقدة، قد يحظى بعضها برضى وتبرير الأفراد تحت ذرائع ومسوغات مختلفة، قد تسوقه جماعات ذات مصالح معينة، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

• قد نجد في بعض المشاريع الحكومية قيام الشركات بتصميم وتنفيذ المشروع والإشراف عليه في آن واحد، ولهم في ذلك طرق متعددة، وهنا يتم التلاعب في المواصفات الفنية والتصاميم لزيادة تكاليف المشروع والذي يترتب عليه الـتأخر في التنفيذ، وخاصةً إذا كان المشروع يتم على مراحل.

• وجود أخطاء فنية وهندسية في التنفيذ في بعض المشاريع، ومع ذلك يتم استلام أعمال المشروع على أنها تمت وفق شروط ومواصفات العقد، وفي مثل هذه الحالات يتم كتابة هذه العيوب في التقارير الإشرافية بهدف الهروب من المساءلة، ولكن يتم التوجيه من أحد المسؤولين باستلام الأعمال رغم وجود هذه العيوب.

وعند اكتشاف مثل هذه الحالات، تكون المبررات أن هذه الأخطاء صغيرة ولا تؤثر على المشروع، أو القول بأن هذه الأمور سوف تؤخذ في الاعتبار عند الاستلام الابتدائي.

• في بعض الجهات نجد عدة مشاريع متعثرة، ويقوم بتنفيذها مقاول واحد، فقد يتعذّر هذا المقاول أو الجهة الحكومية بأن أسباب التعثّر تتمثل في وجود عقبات إدارية مثل عدم التنسيق مع الجهات الأخرى مثل شركة الاتصالات والكهرباء أو وجود مشاكل فنية تتعلق بالمشروع مثل التغيير في التصاميم والمخططات!.

ولكن ماذا لو اكتشفنا أن المقاول في الأساس غير مؤهل فنياً ومالياً للقيام بمثل هذه المشاريع، فكيف فاز بعطاءات هذه المشاريع؟، ليكون المبرر: المشكلة هي في أقل الأسعار!، حسناً.. وماذا عن نظام تصنيف المقاولين؟.. يكون المبرر : "أن المشاريع لها تكاليف متفاوتة، وبالتالي يستطيع المقاول المتدني تصنيفه الدخول في منافسات متعددة بمبالغ تسمح له بدخول المناقصات" .. ولكن بهذه الطريقة قد يكون المقاول قد حصل على مشاريع بمئات الملايين من الريالات، بينما نظام التصنيف لا يسمح إلا بدخول المقاول المصنف (درجة أولى) ، والمقاول في هذه الحالة قد يكون مصنّفا (درجة خامسة)، ونظراً لتجزئة المشاريع بمبالغ أقل، استطاع الدخول في المنافسة!.

وتستمر الأسئلة والمبررات على هذا المنوال، مما يزيد من صعوبة وتعقيد اكتشاف قضايا الفساد في المشاريع المتعثرة، وهذا في رأيي هو المقصود من البند (2) من المادة (3) من تنظيم هيئة مكافحة الفساد، والتي تنص على أن من ضمن اختصاصات الهيئة :" التحري عن أوجه الفساد المالي والإداري في عقود الأشغال العامة، وعقود التشغيل والصيانة وغيرها من العقود، المتعلقة بالشأن العام ومصالح المواطنين..".

وفي الأمثلة التي طرحتها آنفاً، هناك شبهة فساد تتمثل في التواطؤ بين الجهة والمقاول، وذلك بناءً على المعطيات والمؤشرات التي تمت مناقشتها، صحيح أننا لا نستطيع أن نجزم بوجود الفساد، ولكن بم نفسّر وجود مقاول غير مؤهل ويستأثر بغالبية مشاريع الجهة مع أن نظام المنافسات يتيح للجهة استبعاد المقاول وحتى ولو تقدم بأقل الأسعار إذا كان غير مؤهل؟، وبم نفسّر إعطاء الصلاحيات والتوجيه باستلام أعمال بها عيوب فنية؟ وكيف يسمح لبعض الشركات بعملية التصميم والتنفيذ والإشراف رغم وجود مخاطر عالية؟

من خلال هذه الأسئلة يمكن التحري عن أوجه الفساد في العقود حسب ما جاء في نظام الهيئة، ولكن التحدي الذي يواجه الهيئة هو الكيفية وآليات التطبيق في كشف وإثبات قضايا الفساد.

في اعتقادي ليس المطلوب من الهيئة وخاصةً في هذه المرحلة تحديد المشاريع المتعثرّة وأسباب التعثّر، ورفع تقارير بذلك، فقد سبقتها في ذلك الأجهزة الرقابية الأخرى، ولكن المطلوب منها بالتحديد هو كشف قضايا الفساد في المشاريع المتعثّرة.

وعلى هذا الأساس ، يجب التركيز على النواحي النوعية لأسباب تعثّر المشاريع والتي تنطوي على شبهات الفساد، وذلك من خلال العوامل التالية:

• حساسية المشروع وأهميته.

• كفاءة نظام الرقابة الداخلية.

• نوع المال العام.

• معيار المقارنة.

ومن خلال العوامل السابقة يمكن كشف الخلل والمشاكل الإدارية المتعلقة بتنفيذ المشاريع الحكومية مثل مشاكل النفوذ الإداري والإشراف والتلاعب في المواصفات الفنية في العقود، وليس هذا فحسب بل يمتد الأمر إلى كشف الخلل في تطبيق نظام المنافسات والمشتريات الحكومية وكيفية التحايل عليه، وهذا هو الدور الأساسي للهيئة.