عندما قرأت هذه العبارة: «إن وردة جاكيت البدلة تعود إلى القرون الوسطى، عندما كان الجنود يحاربون في المعارك، تقوم زوجاتهم بجمع الورود من حديقة ما أو من فستان العرس نفسه، وتقوم بوضعها على الدرع الذي يرتديه أزواجهن، اعتقادا منهنّ أن هذه الأزهار تحميهم وترمز إلى حبهم الأبدي، وفي القرن السابع عشر بفرنسا، كان المدعوون الرجال يضعون هذه الوردة على القبعة، لإبعاد الحظ السيئ».

عادت بي الذاكرة إلى 40 سنة للوراء، عند زيارة والدي لعمتي التي تستمهله قبل انصرافنا لتعدّ له -على عَجَل- قبضة من النباتات العطرية الموجودة قبالة منزلها الريفي، وتختار منها غصن ريحان صغيرا، يليق بالجيب العلوي لثوب والدي، ثم تقبلني وتعطيني باقة من النباتات العطرية المتنوعة في يدي كي أعطي والدتي، وما زالت هذه العادة الجنوبية يتحمس لها البعض، خصوصا يوم الجمعة، قبل الذهاب إلى الصلاة، فتعد لهم أمهاتهم وزوجاتهم «طيبا/ لفافة ورد وبرك وريحان» بحجم الجيب العلوي الصغير للثوب، كجزء من اكتمال الأناقة لكثير من أبناء جنوب غرب الجزيرة العربية.

بالنسبة لاستخدام الكحل، فقد أخذ بُعدا أسطوريّا في قصة زرقاء اليمامة، إذ كانت ترى على مسيرة 3 أيام، وعندما اقتلعوا عينيها وجدوا عروقها مليئة بكحل يسمى الإثمد!، وما زال التهامي صاحب الإزار والقميص حتى هذه اللحظة يستخدم الكحل لتكتمل أناقته، ويقوى بصره.

وقد ورد في أحاديث نبوية كثيرة استخدام الكحل للرجال، وعدّه بعضهم من السُنّة، مما يدل أن بعضا من جهات الجزيرة العربية من اليمن جنوبا وحتى بلاد الشام، عاشت طقوسها الأنيقة قبل البعثة وجاءت النبوة متممة لذلك.

وفي كتاب جواد علي «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، ما يساعد الباحث على إعادة وعيه تجاه حضارته العربية قبل البعثة، إضافة إلى الكتاب الموسوعي للدكتورة نورة بنت عبدالله بن علي النعيم «التشريعات في جنوب غرب الجزيرة العربية حتى نهاية دولة حمير»، من مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، وفيه ما يجعل أبناء الجزيرة العربية ينظرون إلى أنفسهم بخلاف ما توهّموه من تاريخ لا يتجاوز «المناهج التاريخية غير التربوية للإخوان المسلمين، ليتلف خريجو مناهجهم آثار العراق قبل بضع سنوات، والتي لم يمسها المسلمون في عز إمبراطوريتهم الأموية والعباسية»، فهل ما زال خريجو هذه المناهج غافلين عن 6 آلاف سنة، منذ أول ظهور للقرى الزراعية في الجبال الجنوب غربية للجزيرة العربية، كما في كتاب الدكتورة النعيم.

هذا الاهتمام بالأناقة يزيد وينقص وفق ما تتيحه الإمكانات الجغرافية «نسبة أمطار أعلى مع تنوع في الغطاء النباتي»، وإمكانات تاريخية «وقوعها على طريق الحرير والبخور والطيب منذ أكثر من 3 آلاف عام»، ومن يغفل عن كل هذا قد يستغرب استخدام الرجال للحناء في بعض مناطق جنوب، وجنوب غرب الجزيرة العربية، إذ كانوا يستخدمون الحنّاء ليس كصبغة شعر رأس ولحية فقط بل في الأيدي، وهم يتقاطعون في ذلك مع كثير من شعوب شمال إفريقيا والسودان، وكذلك مع شبه القارة الهندية شرق الجزيرة العربية.

أما البحث عن أصل نقوش الحناء، فقد نجد أن النقوش لها دلالاتها الطقسية، ونبتة الحناء في ذاتها لها -أيضا- بعدها الروحي لدى بعض الشعوب، ففي أصلها ربما تعدّ تعويذة للحماية من الأرواح الشريرة، ومع حضور الديانات الإبراهيمية بقي الطقس للرجل والمرأة كنوع من تفاؤل البركة والزينة في العرس، أما بدون مناسبة عرس فهو خاص بالنساء فقط، باستثناء الأغراض العلاجية لكلا الجنسين، دون أن يتضمن الأبعاد الوثنية القديمة، إضافة إلى ما نسمعه من حكايا شعبية تشير إلى أن نبتة الحناء من «غرس الجنة» أي أنها ذات أبعاد متسامية على الواقع الأرضي، فكذلك النقوش على الجدران تعود في أصلها كتعويذات بركة ونماء وحياة داخل الكهوف، ثم انتقلت إلى المعابد ومنها إلى البيوت، وتحولت مع تطور الحضارة الإنسانية إلى مجرد زينة وديكور لا أقل ولا أكثر، وهذا سلوك لم يتخل عنه الإنسان الحديث، فما زال البعض يضع على جدران منزله آيات كنوع من التميمة للمنزل، وما يسمى فنون الأرابيسك أصبحت دلالات للزينة فقط وليس لها أي بعد وثني قديم، ولا ننسى طريق البخور ومن أعمدته تجارة المُرّ واللبان، والذي ما زال يستخدم أثناء الولادة عند البعض باعتباره «مطهرا»، بينما جذر الاستخدام يعدّ بخور المرّ واللبان طاردا للأرواح الشريرة عن المولود وأمه، فإلى عهد قريب كانت تنسب معظم الأمراض الجسدية إلى الجن والشياطين والعين والحسد... إلخ، وذلك قبل اكتشاف الكائنات المجهرية «فيروسات، جراثيم... إلخ»، أما الأمراض النفسية والعصبية، فما زالت مجالا مفتوحا حتى الآن للدجالين وأشباه الرقاة.

وأخيرا، لا ننسى أن بَعد المطر يظهر شريط ملون ما زلنا -حتى هذه اللحظة- نسمية «قوس قزح»، متناسين أن «قزح» إله عند العرب قبل الإسلام يعبده أهل مزدلفة بعد حدوث الاعتدال الخريفي. وجاء علم الفيزياء فتجاوز بالعقل الإنساني عقله البدائي الميتافيزيقي، ليصبح الاسم مجرد دلالة على منظر طبيعي، فارغا من المعنى الأسطوري.

ولهذا، فعندما نرفع القشرة العليا لأي حضارة سنكتشف تحتها المعتقدات والعادات والتقاليد القديمة الممتدة لآلاف السنين، ومن ضرورات الموضوعية العلمية الإشارة إلى أن هذا المقال مجرد محاولة بحثية «ظنية» من غير المتخصص، ولعل فيها ما يحفز أهل الاختصاص الإثنوجرافي والأركيولوجي للبحث والإفادة أكثر.