يتخذ المسرحيون خلال عمليات إعداد العرض المسرحي عددا من الآليات التي من شأنها إحالته إلى رؤية بصرية جاذبة ومقنعة، وفي تلك الأثناء تأتي مرحلة تراها بعض مدارس المسرح أساسا في تقويم العمل والحكم عليه، سواء على صعيد الحركة أو المؤثرات البصرية والسمعية، وحتى الأداء الانفعالي للممثلين في تعاطيهم مع النص المكتوب، حيث يعتمد بعض المخرجين المحترفين على عضو متخصص ليقوم بعدد من الوظائف الخادمة للنص، كالبحث التاريخي في شخوصه، ومتابعة تفاصيل العمل وإبداء رأيه فيها بكل استقلالية وشفافية، والنظر فيما إذا كان العرض يوجه رسالة واضحة يتأثر بها المتلقي وتصل إليه في طقس من المتعة والمشهدية المبتغاة، كما أن "الدراماتورج" ـ وهذا وصفه ضمن فريق العمل المسرحي – يحكم على العرض كاملا أو ما يسمى بـ"البروفة الجنرال" أي مكتملة الشروط والتجهيزات مبديا رؤيته النهائية في جودة العرض واكتمال عناصره وأبعاده.
يأخذنا هذا إلى منحى آخر لا يختلف كثيرا عما يقدمه الدراماتورج في المسرح يكمن في مدى إحساس المبدع بقارئه، والحديث هنا عن المبدع الكاتب في الفنون الأدبية بشتى صنوفها، فهل يستحضر الروائي أو الشاعر أو كاتب النص المسرحي أو المقالة هموم القارئ البعيد؟ أم إنه يكتب متقوقعا على ذاته وسابحا في أفكاره الخاصة، ومتحدثا إلى نفسه؟
إن تنحية المتلقي "القارئ النهائي" عن أجواء الفعل الكتابي تجعل الكاتب في عزلة عن محيطه الثقافي وصدى حضوره الذي يرومه ويحبّ أن يلحظ أثره، خاصة إذا كان يقدم عملا إبداعيا شأنه التغلغل في نفوس الناس والتأثير في البنية الثقافية الشاملة للمجتمع، ومحاولة رفد تشكلها المتنامي، وهذا يفرض من جهة أخرى سؤالا طالما تناولته حلقات النقاش والندوات مداره: هل يجب أن يباشر النص عفوية المتلقي ويقترب منه أم على المتلقي أن يصعّد أدواته القرائية والنقدية وذائقته ليصل إلى مكنون النص ورسائله؟ والحقيقة - في رأيي - تحتمل هذه وتلك، فعلى الكاتب أن يشكل من داخل ذاته متلقيا "دراماتورجيا" في الوقت الذي يحتفظ لنصه بصبغته الرفيعة ذات الخصوصية الفنية التي تجذب القارئ وتطور دخله اللغوي وقدرته على التخيّل ومقاربة الإسقاطات والمضامين التي يحملها النص.
وقد تبدو المعادلة صعبة، لكنها في ظني غير مستحيلة، خاصة في ظل ما نعيشه اليوم من حضور النص المكثف عبر وسائط التواصل الاجتماعي، التي جعلت من رجل الشارع العادي قادرا على تلقي رسائل النصوص وإعادة صياغتها وتشكيلها، فهو القارئ المجهول الجالس في الطرف الآخر من طاولة المبدع منتظرا خروج النص ساخنا وطازجا.