لم يحقق أي معرض تجاري أو صناعي أو زراعي أو خدمي نجاحا عظيما له بُُعد فكري وعلمي واجتماعي واقتصادي وسياسي مثل النجاح الذي حققه المعرض والمؤتمر الدولي الثالث للتعليم العالي، والذي يعتبر بحق أنموذجا متميزا للمعارض الدولية المصاحبة للمؤتمرات الدولية المتخصصة. فهو بوابة علمية وفكرية للعالم المتقدم، وهو حلقة وصل علمية وفكرية وثقافية بالمؤسسات التعليمية المتميزة في العالم.

لقد تشرفت بزيارة المعرض وحضور بعض جلسات المؤتمر في اليوم الثاني من افتتاح المؤتمر والمعرض الأسبوع الماضي، والذي شاركت فيه حوالي 450 جامعة عالمية وعربية ومحلية بالإضافة إلى 90 مؤسسة تعليمية، وبرفقة أخي وزميلي معالي الدكتور أحمد السيف نائب وزير التعليم العالي المشرف العام على المعرض والمؤتمر الدولي، اطلعت على النموذج الفريد من معارض الجامعات العالمية. وتوقفت إعجاباً وانبهاراً بالمشاركة الدولية لأكبر الجامعات العالمية والمحلية وخطط المنظمين للمعرض، وتوزيع الجامعات حسب الدول في القارات، ووضع في كل جناح قارة أو دولة مكتب الملحقية الثقافية السعودية في تلك الدولة. وشارك الملحقون الثقافيون السعوديون بالحضور شخصياً في كل مكتب للإجابة والاستفسار والإرشاد لزوار المعرض من الطلبة وأساتذة الجامعات والمهتمين بالتعليم والآباء والأمهات. وشارك رؤساء وعمداء الجامعات السعودية شخصياً في الأجنحة الخاصة بجامعاتهم. وشاركت وزارة التعليم بكامل أجهزتها الرسمية وكبار المسؤولين فيها ابتداء من معالي الوزير المميز الأستاذ الدكتور خالد العنقري ونائبه الدكتور أحمد السيف ووكيل الوزارة الدكتور محمد العوهلي ومدير عام التعليم الأهلي الدكتور وليد الدالي، وجميع أركان الوزارة.. شاركوا ليس بالحضور فقط يوم الافتتاح وإنما بدوام يومي طيلة أيام المؤتمر والمعرض في مكاتب متواضعة مخصصة لهم. والحقيقة أن هذه أول سابقة ألحظُها في المعارض الدولية والمؤتمرات التي تعقد في المملكة، حيث اعتاد الوزراء على حضور حفل الافتتاح ثم مغادرة المعرض أو المؤتمر إلا أن الدكتور خالد العنقري وزير التعليم كان هو نجم المعرض والمؤتمر، يعمل بعيداً عن البروتوكولات، يجول في أروقة المعرض ويشارك في جلسات المؤتمر ويحاور كل من يرغب لقاءه أو سؤاله طالباً أو طالبة أو أستاذاً في الجامعة أو زائرا أو ولي أمر. وهذا هو النموذج الفريد من الوزراء الذين نتمنى الاقتداء بهم. وهذه هي المعارض المتميزة التي نبحث عنها في المملكة. إن زيارة 70 ألف زائر في اليوم الأول من المهتمين بالتعليم والثقافة تؤكد أن هناك حراكا علميا وثقافيا ضخما جداً في بلادنا تجاه التعليم العالي، وإن تزاحم الزوار من المهتمين لحضور الجلسات العلمية ضمن البرنامج العلمي للمؤتمر الدولي للتعليم العالي يؤكد نجاح الوزارة في استقطاب أعلى الكفاءات العلمية والمعرفية والعالمية لإلقاء المحاضرات ونقل تجاربهم العلمية.

لقد استطاع المؤتمر والمعرض أن يحقق أهدافه الأساسية والتي تركزت في خلق بيئة معرفية من خلال التعاون الدولي بين الجامعات السعودية والعالمية المتميزة، وتوفير الفرص للجامعات السعودية والأكاديمية للتواصل مع مؤسسات التعليم العالمية وتبادل الخبرات وتحفيز مؤسسات التعليم العالي السعودية لتقوية وتعزيز معاييرها العالمية والأكاديمية لتكون في مصاف الجامعات العالمية الرائدة. كما أن من أهم الأهداف فتح قنوات للتواصل العلمي العالمي والحث على إبرام اتفاقيات وشراكات أكاديمية ثنائية بين المؤسسات التعليمية السعودية ونظيراتها العالمية، ومناقشة قضايا التعليم العالي المعاصرة العلمية والتعليمية والبحثية والاقتصادية من خلال الخبرات العالمية المتميزة والإسهام في بناء بيئة معرفية تساعد في التحول نحو اقتصاد المعرفة.

إن مشاركة المرأة في المعرض والمؤتمر كان لها تميز لا بد أن أسجله بتقدير واعتزاز، فقد كانت بالمستوى اللائق المحافظ الذي يلتزم بخصوصية المرأة المسلمة ويعتز بعاداتنا وتقاليدنا. ومشاركة الشباب كانت تمثل أنموذجاً مشرفاً للشباب السعودي المحافظ على أخلاقيات الشباب المسلم، ولهذا كانت المشاركة النسائية في المعرض مثالية. ومن الأجنحة المتميزة التي توقفت عندها في المعرض كان جناح هيئة الأمر بالمعروف الذين قدموا صورة مشرفة للهيئة تليق بمقامها ومقام التعليم في بلادنا.

انتهى المعرض والمؤتمر بالأمس، ولكن ما زالت عالقة في ذهني بعض الكلمات الهادفة التي قالها بعض المحاضرين، ومنهم الأستاذ الدكتور شمس قاسم الأغاء الرئيس المؤسس لأول جامعة خاصة في جنوب آسيا (جامعة الأغاء خان) إذ يقول: "من الملاحظ أن الجامعات اليوم تشهد انحداراً في الاهتمام بالقيم الأخلاقية بعد أن كان السعي لغرسها في نفوس الطلاب هدفاً أساسياً لجميع الجامعات من شتى أنحاء العالم. ولعل السبب في هذا الانحدار يرجع إلى النموذج الغربي السائد للتعليم العالي فقد قلل من أهمية الأخلاق". ويقول الأستاذ الدكتور (أريك ماندو) عميد كلية العلوم التطبيقية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية: "التعليم ليس مجرد نقل معلومات من طرف إلى آخر، على الرغم من أن ذلك هو ما يحدث غالباً في عدد من البرامج الدراسية التحضيرية، فالمعلمون يقدمون المادة العلمية رغم أن هذه المادة قد يكون من السهل العثور عليها بشكل مطبوع". ويقول الدكتور أريك: "إن الانتقال من التركيز على نقل المعلومات في المحاضرات إلى التركيز على استحضارها قد يُحسن كثيراً من عملية التعليم داخل الفصول الدراسية". ويقول الأستاذ الدكتور براين ماكريت رئيس جامعة دبلن بإيرلاندا: "إن الهدف الرئيسي لعملية التعليم هو تجهيز الطلاب لتحقيق النجاح في الحياة، أي في أماكن العمل، وفي المجتمع المدني، وفي حياتهم الشخصية. ونظراً للطبيعة الخاصة للحياة في القرن الحادي والعشرين فإن هذا يعني تزويدهم بمجموعة من المهارات الشخصية لتمكينهم من مواجهة تحديات المجتمع العالمي سريع التغيير وتحديات بيئة العمل الاجتماعية التي يزداد اعتمادها على التقنيات الرقمية يوماً بعد يوم".