• في زحمة الزبائن تلمحه قادماً من بعيد، رثّ الثياب حافي القدمين، سقط من ذاكرة الحضارة الغربية لكنه لم يسقط من إنسانيتها، يتأكد أنها انتبهت لوجوده ثم يجلس على طرف الرصيف، تترك زبائنها جانباً وتعد فنجان القهوة الساخن وساندوتش وتخرج لتضعه بين يديه، ثم تعود لعملها، ربما كانت فقيرة لكنه أفقر منها، هكذا هي تظن؛ لذا تعتبر فنجان القهوة وقطعة الساندوتش طريقة جيدة لشكر الله.

• العام الماضي اجتاح السيل منازل عديدة في جدة، ومن بينها منزل لإحدى الصغيرات عربية الجنسية، قدم والدها قبل 50 سنة إلى جدة واستطاع أن يبني بيتاً لعائلته، وكما يفعل كثير من المقيمين وضعه باسم شخص سعودي، مرت سنوات ومات الأب وانتهت إقامات الأيتام دون تجديد، فأكبرهم في منتصف العشرينيات، ثم جاء السيل وتركهم دون منزل، اتصلت بي فوجدتني عاجزة وأنا أقف في وسط خرابة كانت بيتاً، لم تكن هذه العائلة تستطيع التقدم لطلب التعويضات؛ فالبيت باسم رجل مشغول رفض حتى مقابلتهم، وإقاماتهم منتهية، كان كل شيء يوحي بمأساة كبرى لولا ثلة من شباب سعوديين قرروا تغيير هذا الواقع، فجددوا إقامات العائلة، وأصلحوا وضعهم، وأعادوا بناء البيت بجهود فردية وباقتطاع بسيط من رواتبهم على مدى عام، وبالأمس جاءتني رسالة منها تخبرني بأنهم عادوا إلى بيتهم وتشكرني فيه، ولم أفعل أنا شيئاً سوى التبليغ ثم الإعجاب بقدرات شبابنا إن هم أرادوا.

• قالت: اسمه عثمان العثمان قاضي في محكمة جدة، حيث جاءت مع أمها قبل ثلاثين عاماً تطلب إرث والدها من أبناء عمومته، لم يكن في حقيبة أمها ريالاً واحداً، ليمد هذا القاضي للأم مغلفاً فيه ألف ريال ونظرة أبوية عنت لها الكثير, لا تدري إن كان يعلم هذا القاضي ما أحدثته ألفه التي كانت تساوي الكثير وقتها وكيف جاءت بالطعام والدفء والدواء لكنها تعلم أنها وبعد كل هذه السنوات ما زالت تذكر طيبه وتدعو له الله أن يدخله الجنة بلا حساب.

• هناك أشياء صغيرة تمنح الآخرين لحظات حياة لا تنسى، إذا كنت قادراً على صنع المعروف فلم لا تفعله؟!

ولم أرَ في عيوبِ الناسِ عيباً كنقصِ القادرينَ على التمامِ

إن كنت مسؤولاً وكان تحت يدك مراسل أو حارس فلِمَ تكون أنت والأنظمة العقيمة والجامدة عليه؟! لِمَ تفكر في موظفيك الأعلى أصحاب الحديث المعسول أو الصوت العالي وتنسى "الغلابا"، مع أنك بهم تُرزق؟! لِمَ لا تقف قبل أن تدخل مكتبك وتسألهم عن حالهم، فلربما كانوا مظلومين وفي يدك نصرتهم؟!

لِمَ لا تسألين عن أطفال الخادمة وتكتفين بالسؤال عن أطفالك الذين ترعاهم؟! لِمَ لا تشترين لها كما تشترين لبناتك؟! لِمَ تبخلين عليها بإجازة يوم وأنت تنتقدين الوزارة التي تمنحك شهرين إجازة؟!

• إننا أغنياء أو فقراء نملك ما يمكن أن يكفينا ويشعل شمعة في حياة غيرنا بدءاً من ابتساماتنا.. ضحكاتنا.. كلماتنا الصغيرة الرحيمة.. لمسة أيدينا.. جزء من وقتنا وأموالنا. إنك تملك ما يمكن أن يكفيك ويجعل الآخرين يبتسمون.. يحيون.. يعلّمون أطفالهم، صدقني سيكون ما لديك أكثر إذا أشركتهم ولو في ابتسامتك فقط .