انعقد الأسبوع الماضي اجتماع بين إيران ودول مجموعة 5+1 في إسطنبول، وذلك في محاولة للوصول إلى صيغة اتفاق جديد حول المشروع النووي الإيراني بعد التصعيد الكبير الذي شهده هذا الملف في الفترة الماضية. هذا التصعيد تصدرته إسرائيل في الفترة الأخيرة من خلال تهديدها بالقيام بضربة عسكرية استباقية ضد المشروع الإيراني بحجة اقتراب إيران من إمكانية تصنيع سلاح نووي، وهو الأمر الذي بكل تأكيد سيغير الكثير من معادلات المنطقة وخاصة معادلات الأمن الإقليمي.

التصعيد الإسرائيلي رافقه تصعيد غربي من خلال وضع المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران بما فيها عقوبات استهدفت تعاملات البنك المركزي الإيراني. حزمة العقوبات الأخيرة هي الأقسى على إيران، ومن المزمع أن تتبعها في يوليو المقبل حزمة أكثر قسوة من العقوبات الاقتصادية الأوروبية تستهدف تصدير النفط الإيراني لأوروبا. في ظل هذا المناخ المتوتر انعقد اجتماع إسطنبول دون نتيجة حقيقية تذكر سوى تصريحات بأن الاجتماعات هيأت لمناخ إيجابي بين الطرفين، وعلى أساس أن تنعقد جولة أخرى من المفاوضات في منتصف مايو المقبل في بغداد.

ولكن ما الذي يمكن أن تسفر عنه هذه الاجتماعات فعلا في المحصلة النهائية؟

إيران تسعى بقدر المستطاع لتقديم تنازلات محدودة تمكنها من شراء المزيد من الوقت، فحتى الآن لا تواجه إيران صفقة أو مشروعا إقليميا قويا قادرا على دفعها للتنازل عن مشروعها النووي وتوجهاتها الاستراتيجية، وفي المقابل فإن الطرف الآخر يواجه تحدياته الخاصة التي تدفعه للتعامل مع الملف الإيراني في المرحلة الراهنة من منطلق شراء المزيد من الوقت أيضا دون وجود توجه استراتيجي واضح. فالإدارة الأميركية مقبلة على سنة انتخابية وهي بحاجة لإظهار قدرتها على الضغط على إيران دون دفعها للتصعيد، وذات الأمر ينطبق على فرنسا التي يواجه فيها الرئيس ساركوزي انتخابات رئاسية تجعله مقيدا في تحركاته ضد إيران خشية الفشل، ومن الجهة الأخرى، فإن روسيا الداعمة لإيران خرجت للتو من انتخابات رئاسية ثبتت رئيسها الحالي بوتين مما يجعله في وضعية أفضل للضغط على الغرب من خلال الملف الإيراني.

لذلك، على الأغلب ستدور جولات المفاوضات حول تخفيف حدة العقوبات الاقتصادية في مقابل ضمانات تتعلق بالتخصيب وتبادل الوقود النووي وغيره من التفاصيل، وبما يسمح للبرنامج النووي أن يسير بالحد الأدنى المقبول لدى الطرفين مؤقتا. ولكن هذا الأمر لا يلغي بالتبعية واقع أن منظومة الأمن الإقليمي المختلة ستزداد اختلالا مع الوقت، العرب من طرفهم واقعون تحت ضغط كل من المشروع الإيراني والترسانة الإسرائيلية النووية.

تصريحات الأمير تركي الفيصل منذ بداية هذا العام حول احتمال قيام دول الخليج بإطلاق برنامج نووي خاص بها لا تعدو حاليا سوى رسائل مبطنة، ولكنها رسائل يجب أن تقرأ بجدية، كونها تعبر عن المخاوف الخليجية بالتخلف عن سباق التسلح النووي في المنطقة في حال فشل المجتمع الدولي في التعامل مع هذه القضية.

من هنا يأتي الاستحقاق الأهم وهو مؤتمر 2012 حول جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي والمزمع عقده في فنلندا نهاية هذا العام، وقد يشكل المدخل الوحيد لمعالجة مسألة التسلح النووي في المنطقة. فالفكرة الأساسية هنا هي أن يكون إنشاء هذه المنطقة ضمانة للأمن الإقليمي تنزع من إيران حجتها بوجود ترسانة إسرائيلية من خلال تفكيك إسرائيل لأسلحتها وانضمامها لمعاهدة عدم الانتشار النووي، في مقابل إعطاء ضمانات لإسرائيل من خلال تنازل إيران عن مشروعها ووضعه تحت نظام الضمانات الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن فشل هذا المؤتمر سيكون له تداعيات جادة وسيظهر عجز النظام الدولي عن التعامل مع المسألة، مما سيقوي من حجة إيران للمضي قدما بمشروعها، خاصة أن خيار الضربة العسكرية ضدها بات أمرا مستبعدا لعدة أسباب، أهمها عدم رغبة الولايات المتحدة في الدخول في حرب أخرى، أيضا سيزيد عبء الدول العربية وخاصة الخليجية بسبب انتفاء أي خيارات أخرى غير الدخول في سباق تسلح نووي.

أغلب المؤشرات تشير إلى فشل مرتقب لهذا المؤتمر، فحكومة إسرائيل الائتلافية أضعف من أن تقدم تنازلات جادة في هذا الشأن وفيما يخص متطلباتها الأمنية الإقليمية، وفي المقابل فإن الوضع الداخلي الإيراني أكثر احتقانا تحت تهديد الانقسام الداخلي مما يقوي من جبهة المتشددين داخل إيران، ونتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة دليل بارز. الأطراف الثلاثة (العرب وإيران وإسرائيل) سيذهبون إلى فنلندا وهم محكومون بأوضاعهم الداخلية أكثر من منظومة الأمن الإقليمي، وهذه الأوضاع التي تتناقض في متطلباتها تضع هذا المؤتمر في محك حقيقي، على الأغلب ستقوده للفشل.

المسكنات الراهنة التي استخدمتها مجموعة 5+1 مع إيران سترتد عليها في مؤتمر فنلندا عندما تجد نفسها أمام مجموعة تنازلات إيرانية لا تشكل في حقيقتها حلا استراتيجيا، وإسرائيل من جهتها رفعت من أوراقها التفاوضية من خلال تصعيداتها الأخيرة بالتهديد بضربة منفردة ضد مشروع إيران مما سيرفع من متطلباتها الأمنية الإقليمية، وفي المنتصف يقف العرب دون مجال كبير للمناورة سوى التصعيد من خلال التهديد بسباق تسلح نووي، والسؤال: أين يكمن الحل حينها؟