هل يعقل أن تتخرج طالبة من إحدى أعرق جامعاتنا بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى عام 1424 هـ ثم لا يستفيد الوطن من هذه الكفاءة المتميزة حتى الآن؟! وما الحافز والدافع للتفوق والتميز إذا كانت مكافأة خريجة حاصلة على امتياز مع مرتبة الشرف الأولى هي الانتظار المرير في شوارع البطالة والفراغ لمدة سبع سنوات على التوالي ؟! راسلني الأستاذ جمال آل عباس بكلمات تقطر مرارة وإحباطا، مرفقا صورة من وثيقة تخرج زوجته السيدة غادة الشرفا المتخرجة من جامعة الملك سعود في السنة المذكورة آنفا بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى بمعدل 4.76 قسم لغة عربية! لا تزال غادة حتى الآن تتطلع لفرصة وظيفية، رغم أنها كانت حديث أستاذاتها في الجامعة لتفوقها وتميزها! ولعل أول ما يخطر بالبال هو لماذا لا تُختار طالبة بمعدل غادة ومستوى تفوقها – أتوماتيكيا- وتلقائيا كمعيدة في الجامعة لتستثمر طاقاتها وإمكاناتها في الموقع المناسب؟! ولماذا لا تُشرع لطموحاتها الأبواب لتواصل دراستها العليا ويستفاد منها في الجامعة التي تخرجت من أروقتها؟! اخترقتني أسئلة كثيرة وأنا أتعرف على معاناة غادة، فبعد أن لملمت أحلامها المجهضة وإحباطاتها -نتيجة لعدم اختيارها كمعيدة -تقدمت لوزارة الخدمة المدنية أملا في الحصول على فرصة وظيفية في التدريس، واستدعيت للتدريس على بند الأجور قبل ثلاث سنوات لمدة ستة أشهر فقط، لتعود الحال إلى ما كانت عليه!

معلقة على إحدى مقالاتي الأسبوع الماضي تتشابه معاناتها مع معاناة غادة، فهي خريجة فيزياء بمعدل 4.73 ولا تزال قعيدة البيت تنتظر انفراجة وظيفية تلوح في الأفق!

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين هي المفاضلة التي يقوم على أساسها اختيار المعلمات؟! ولماذا لا يكون هناك تنسيق بين الجامعات وبين وزارة التربية والتعليم بإعطاء أولوية التدريس للطالبات المتفوقات؟! وألا تموت ثمرة الإبداع والتفوق في مهدها عندما تتساوى الأشياء مع أضدادها، وتتعادل مع نقائضها؟! ليصبح العمل الدؤوب والاجتهاد والكفاح مساويا للكسل والإهمال واللامبالاة، فالنتيجة في كلا الحالين واحدة! وكل الطرق تؤدي إلى المزيد والمزيد من الأحلام المراقة والمسفوحة على أرصفة البيروقراطية والمحسوبيات، فكم من وظيفة نالتها من لا تستحقها، فقط لأنها تمتلك فيتامين (واو)! وألا يعتبر إجهاض أحلام كفاءات متفوقة ومبدعة جريمة بحق الوطن أولا، قبل أن يكون حقا خاصا استلب من تلك الكفاءات؟! وهل يعقل أن يهدر الإبداع والتفوق في وطننا بهذه الصورة العبثية المولدة للإحباط واليأس والإحساس القاتل باللاجدوى؟! ومن المسؤول عن ترك هذه الطاقات المتميزة فريسة لليأس، وقتل الأحلام في مهدها واغتيال الأماني وهي بعد في طور التبرعم؟!

من هذا المنبر أرفع معاناة غادة ومثيلاتها لكل من وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الخدمة المدنية، فهدر الطاقات المتفوقة والمبدعة وقتل أحلامها هدر للوطن قبل أن يكون هدرا للإنسان!