قررت اليوم أن أتحدث إليكم وكأنني في جلسة بين أصدقاء تتسم بالأريحية والحميمية، مصورة كل شاردة وواردة كي لا يضيع عليكم شيئا من الأحداث، وبما أنني صاحبة فكر حر وقلم قادر سوف أستغل كل ذلك وأعرض ما تفتق عنه فكري فيما لو... أكرر فيما لو سمح لي يوما بهكذا جلسة، والأمر مجرد تمنّ! لماذا؟ لأنني لا أكاد أفتح فمي لأتحدث يسارع ليقاطعني كل من في الجلسة نفسها إما بالاعتراض أو فرض العضلات، أو من أجل "الفذلكة"! ولكن اليوم وهنا ـ ومربط الفرس كلمة "هنا" ـ سوف أمارس عليكم الدكتاتورية الفكرية وعلى طريقتي.

سأبدأ بالتقليد، وأسلوبي اليوم ليس سوى تقليد لأكثر من كاتب عملاق حول العالم، ومن لا يصدق فليبدأ بالبحث عنهم وقراءة ما لديهم للتعرف إلى أسلوبهم، هيا تحركوا سأنتظركم "هنا"! من تحرك منكم لم يفته الكثير وإن أصر على المعرفة فليضغط على زر "ريوايند"، ما أبسط حياتنا اليوم.. كل شيء مسجل نستطيع أن نشاهده أو نسمعه متى ما شئنا وحيث ما شئنا، وفوق ذلك نسرع إلى الأمام أو نعود إلى الخلف، ونحلل على أساس ما نريد أن نرى ونسمع، أي بحكم مسبق!

أين الحقيقة؟ إنها ما نريد أن يكون.. بينما هي كل ما لم يُكتب وما لم يدخل عالم البحث والتفكير بعد، بل إنها ما لم يظهر لنا كاكتشاف تاريخي أو وثائقي، أو ما خفي في أدراج مظلمة.. كلما اعتقدنا أننا نملك الحقيقة، ظهر لنا شخص فذّ بحقيقة جديدة تعارض أو تمحو ما قبلها من حقائق! أدخلونا في عوامة! نعم عوامة وليست دوامة! إنها تلك الكرة البلاستيكية أو المعدنية التي تكون في البئر أو مخزن الماء في المرحاض، ترتفع وتنخفض حسب تغير منسوب الماء، والآن تصور نفسك داخل هذه العوامة، تارة ترتفع وتظن نفسك "أبو العريف" وينتفش ريشك معتقدا أنك وجدتها وأنك ملكت مفاتيح المعرفة، وتارة تنخفض إلى الأسفل حيث تكتشف ضآلة علمك وكثافة جهلك! وبين هذه وتلك يفترض منك أن تتماسك وتكمل مسيرة العلم مدى الحياة!

الأمر الآخر عن التقليد، هو أن حياتنا أصبحت تقاد بالتقليد... عذرا عدت إلى مقعدي سالمة فقد دفعني أحدهم! حسابه عندي فيما بعد، وسأكمل لأنني لا أريد أن أفقد حبل أفكاري، أين كنا؟ نعم، التقليد وحياتنا، الأزياء تقليد، البضائع تقليد، يا إخوتي الأفاضل حتى الطعام تقليد، بنكهة الليمون أو الفلفل حتى المثلجات أصبحت بنكهة الثوم والبصل! والآن ما رأيكم في الأفكار؟ نعم هي الأخرى مستها كهرباء التقليد، يخرج إلينا أحدهم بفكرة، بموضوع، باعتراض، فينتفض الكثير بل الغالبية إلا من رحم ربي، ويغرقوننا بنفس الفكرة ولكن "بفيونكة" هنا و"كسرة" هناك، وتبدأ "الجعجعة" ولا نرى بعدها سوى زوبعة من الغبار، قد يقع بسببها بعض ويظهر بعض آخر، ولكن "الزبدة" لا يصل إليها أحد لأنها تكون قد ساحت! أما بالنسبة للحياة الأسرية والاجتماعية، فقد عمها أو "عماها" التقليد لدرجة أنها ضاعت، بل قريبا سوف نستيقظ لنشهد اندثار كل التقاليد! وإليكم كمثال آخر الكثير من المغردين على "التويتر" أو الصفحات الأخرى، حين تجلس إليهم لتتحدث تصطدم بأبي الهول! لماذا؟ لأن معظم ما يكتبونه قص ولزق و... تقليد! ماذا؟ انسحب الكثير من الجلسة! لا يهم، والله لو ما بقي في الجلسة غير رضيع، سأكمل.

ما رأيكم بالتحدث مع النفس؟ أليس هذا ما أصبحنا نفعله مؤخرا سواء كنا وسط جماعة أو وحدنا في ممر أو في السيارة أو في... كلا لن أكمل، فألم الدفعة الأولى ما زال ينبض داخل عظامي! المهم هنا العزف المنفرد الذي بتنا نتقنه، أصوات تعلو مفرقعة ضحكة هناك، أو إطلاق صرخة استهجان أو غضب أيضا هناك، أو "تمتمة" تصاحبها نظرات استكشافية للمكان خوفا وحذرا من أن يُفهم ما نقوله، ونذهب في خبر كان دون شفاعة أخواتها! ما الذي أوصلنا لهذه الدرجة من الانفصال عن البقية؟! نتحدث على المنتديات أو أي وسيلة تواصل اجتماعية، مقنعين أنفسنا بأننا نتحدث مع الآخر، بينما في حقيقة الأمر نحن نتحدث مع أنفسنا، ولو أننا أدركنا أننا فعلا نتحدث مع آخر، لما كتبنا أصلا! لماذا؟ لأننا لا نتقبل النقد ونستهجن الرأي الآخر، بل نهاجمه ونعدمه "العافية" إن استطعنا بمساعدة "صديق" أو حذف أصدقاء! ثم إننا لو عدنا بعد زمن وقرأنا ما كتبنا لندمنا على كثير مما قلناه، قد يكون تغييرا أو تطورا في الفكر، ولكنه صدر وتصدر صفحاتنا على واجهة العالم الافتراضي، ومن منا لديه القدرة أن يعود بالزمن ويغير؟ لا يوجد أمان حتى ولو حذفت الصفحة فهي موجودة بالرموز الرقمية، تسبح في "السايبر سبيس" تنتظر أصحاب النفوس السوداء لتفكها وتحولها إلى سياط يُضرب بها ظهرك!

وماذا عن لغة العيون؟ يقال إن العين مغرفة الكلام، ولكن اليوم لم يعد لدينا لا مغرفة ولا يحزنون! كل تواصلنا أصبح جلّه عن طريق التقنيات الحديثة، عين على الجهاز وعين على الطريق، إما في انتظار رسالة أو لمراقبة كل قيل وقال! لقد نسينا وتجاهلنا أصدق تعابير يمكن أن يحملها إلينا الآخر، تعابير ورسائل أهم كثيرا من كل دوواين الشعر ولو كتبناها كلمة كلمة تبقى جامدة ما لم تدعمها لغة العين، يبتسم الثغر ولكن هل تصاحبه العين؟ ليس دائما، فلو نظرنا لاستطعنا قراءة ألم، حزن، حيرة، وكثير من فراغ يغرقك بشعور اللامبالاة! قالها وذهب: "طبيب عيون أفهم بالعين"، ماذا؟! الآن وقد نغمتها لكم صُوّبت كل الأعين نحوي؟! غريبة كيف أصبح يشدنا النغم لا الروح!

يا إلهي! لم يبق أمامي سوى الرضيع! أستميحكم عذرا ريثما أحضّر له الحليب وسأكمل الحديث معه فقط، لربما يوما ما حين يكبُر، يستعيد ما خُزن من شخابيط نثرتها على جدران ذاكرته، ويفهم ما لم أستطع أن أفهمه أنا... الآن، رُفعت الجلسة!