على مدى 100 دقيقة، قدمت هوليوود، قصة التحول الذي أحدثه السيناتور تشارلي ويلسون في العالم، وعلى الأخص دوره الكبير في إنهاء الحرب الأفغانية وهزيمة السوفييت هناك، وذلك في الفيلم المدهش «حرب تشارلي ويلسون» الذي كلف نحو 75 مليون دولار، وحصد إيرادات تخطت الـ119 مليون دولار.

الفيلم صدر عام 2007، ولعب بطولته توم هانكس وجوليا روبرتس، لكن بعد قليل من صدوره كانت قصته تجري بصورة تقريبية مماثلة، في أرض بعيدة، وببطل جديد، هي قصة السيناتور الأمريكي جون ماكين الذي كان يريد لعب دور تشارلي ويلسون في الحرب السورية التي اندلعت منذ عام 2011.


المطالبة بالتدخل العسكري


يحمل ماكين سيرة عسكرية حافلة، حيث كان طيارا حربيا وقائدا للبحرية، وأُسر عدة سنوات في فيتنام، وعذب طويلا، وخرج بإعاقات رافقته عمره كله، وحصل على أوسمة في حرب فيتنام، واعتبر لاحقا أحد الصقور في مجلس الشيوخ، فكان ممن حثوا بشدة على التدخلات العسكرية الغربية في ليبيا وسورية.

كان ماكين مؤيدا قويا للتدخل العسكري في ليبيا عام 2011، ففي أبريل 2011 زار القوات المناهضة للقذافي والمجلس الوطني الانتقالي في بنغازي، وهو أعلى رتبة أمريكية للقيام بذلك، وقال إن المتمردين هم «أبطالي».

فيما يتعلق بالحرب بالوكالة في سورية التي بدأت عام 2011، جادل ماكين مرارا وتكرارا بتدخل الولايات المتحدة عسكريا في الصراع إلى جانب القوات المناهضة للحكومة، وزار قوات الثوار داخل سورية في مايو 2013، وهو أول سيناتور يقوم بذلك، ودعا إلى تسليح الجيش السوري الحر بالأسلحة الثقيلة وإنشاء منطقة حظر طيران فوق سورية.

وفي أعقاب الهجوم بالأسلحة الكيماوية في الغوطة عام 2013، دافع ماكين بشدة عن عمل عسكري أمريكي قوي ضد حكومة بشار الأسد، وفي سبتمبر 2013، صوتت لجنة العلاقات الخارجية لصالح طلب أوباما إلى الكونجرس بأن يجيز الرد العسكري.


المقارنة مع ويلسون

كان تشارلي ويلسون عضوا ديمقراطيا في الكونجرس يمثل تكساس في مجلس النواب من عام 1973 إلى عام 1996، وكان مؤيدا صريحا لتدريب الجهاديين الأفغان وتسليحهم خلال الحرب السوفيتية الأفغانية في الثمانينيات.

بأكثر من طريقة، كان السناتور جون ماكين هو المعادل المتشدد لتشارلي ويلسون وكانت الحرب بالوكالة في سورية بمثابة إعادة تمثيل للحرب السوفيتية الأفغانية.

إذا أردنا رسم أوجه تشابه بين الجهاد السوفيتي الأفغاني خلال الثمانينيات والحرب بالوكالة في سورية 2011 وما بعدها، فقد استخدمت القوى الغربية معسكرات التدريب الموجودة في مناطق الحدود الأفغانية - الباكستانية لتدريب وتسليح الجهاديين الأفغان الذين يقاتلون القوات السوفيتية في أفغانستان.

وبالمثل، تم استخدام معسكرات التدريب الموجودة في المناطق الحدودية لتركيا والأردن من قبل وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون لتوفير الأموال والتدريب والأسلحة للمقاتلين الذين يقاتلون الحكومة السورية بالتعاون مع وكالات المخابرات التركية والأردنية.

خلال الجهاد السوفيتي الأفغاني، تشكل الجزء الأكبر من جهاديي البشتون، بما في ذلك الفصائل المسلحة لجلال الدين حقاني، وقلب الدين حكمتيار، وعبد الرب رسول سياف، وعشرات غيرهم من الجماعات المقاتلة التي اتحد بعضها فيما بعد لتشكيل جماعة طالبان المتشددة.

وبالمثل، في سورية، تألفت غالبية «المتمردين» من جهاديين إسلاميين، مثل جيش الإسلام وأحرار الشام وجبهة النصرة والدولة الإسلامية وعدد لا يحصى من الجماعات المسلحة الأخرى، بما في ذلك جزء صغير من الجنود السوريين المنشقين الذين أطلق عليهم اسم الجيش السوري الحر.

بصرف النظر عن مقاتلي البشتون، شكلت فصائل مختلفة من تحالف الشمال من الطاجيك والأوزبك الجزء «المعتدل» نسبيا من التمرد الأفغاني، على الرغم من أن أمراء الحرب «المعتدلين»، مثل أحمد شاه مسعود وأبو الرشيد دوستم، كانوا أكثر إثنية وقبلية في الشخصية من علماني أو قومي.

وبالمثل، يمكن مقارنة أكراد ما يسمى بـ«قوات سورية الديمقراطية» بالتحالف الشمالي لأفغانستان.


طالبان وداعش

التمرد في أفغانستان والمناطق الحدودية لباكستان هو انتفاضة البشتون الأصلية، وهي مجموعة عرقية موطنها أفغانستان وشمال غرب باكستان، في حين أن الجزء الأكبر من جهاديي داعش في سورية والعراق كان يتألف من مسلحين عرب، وشمل مقاتلين من دول الشرق الأوسط المجاورة وشمال إفريقيا ودول آسيا الوسطى، وروسيا، والصين، وحتى المسلمين المتطرفين من أماكن بعيدة مثل أوروبا والولايات المتحدة. إن ما يسمى بـ«ولاية خراسان» التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة أفغانستان وباكستان ليس أكثر من تحالف من عدة فصائل منشقة عن طالبان، وعدد قليل من الجماعات المسلحة المحلية الأخرى غير المهمة التي بايعت الدولة الإسلامية من أجل تعزيز هيبتها، وجذب الأموال والتابعين، ولكن ليس لها أي ارتباط تنظيمي وعملي مع تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق. يقدر إجمالي قوة تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان بما يتراوح بين 3000 إلى 5000 مقاتل، وبالمقارنة، فإن قوة طالبان تقدر بما يتراوح بين 60 ألفا إلى 80 ألف مقاتل. تم تشكيل تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان على شكل اندماج بين عدة فصائل منشقة عن حركة طالبان الأفغانية والباكستانية في أوائل عام 2015، في عام 2017، انقسم إلى فصيلين.

منهجية واحدة

مثل تشارلي ويلسون الذي قاد حملة كبيرة في الكونجرس لتسليح المقاتلين الأفغان وتدريبهم، انتهت بهزيمة السوفييت في هذا البلد بعدما كانت لهم اليد الطولى في الحرب هناك، سعى ماكين بكل جهده لتدخل بلاده عسكريا في سورية، ولم يفوت فرصة للدعوة إلى ذلك إلا وحاول استثمارها، وقال «بعد سقوط مدينة حلب السورية في أيدي القوات الحكومية الموالية لرئيس النظام بشار الأسد، بلغ الحصار الوحشي، الذي استمر لسنوات، منتهاه مع النهاية الدموية التي أشرف عليها: القوات الجوية الروسية، وقوات الصدمة الإيرانية، ومقاتلو الميليشيات الإقليمية المتنوعة. ومع الرثاء الذي نعده لقتلى وضحايا حلب، علينا الاعتراف بتواطؤ الولايات المتحدة الأميركية في هذه المأساة». وشدد ماكين على الفشل الأمريكي في التعامل مع الملف السوري، وقال «لسوف يتردد اسم حلب عبر التاريخ، مثلما يتردد صدى رواندا وسربرنيتسا، كشاهد على فشلنا الأخلاقي والعار الأبدي الذي لحق بنا. حتى في الصراع الذي خلف نصف مليون قتيل، وخلق أسوأ أزمة للاجئين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية وخلق الجيش الإرهابي لتنظيم داعش، حتى في خضم كل هذا الرعب والفساد، تقف حلب صامدة». وأكمل «ربما تكون حلب قد سقطت، ولكن الحرب في سورية أبعد ما تكون عن النهاية. ومن المرجح أن تزداد سوءًا إثر اشتداد القتال بين الأطراف المتصارعة – نظام بشار الأسد، وإيران، وروسيا، وتركيا، والأكراد، والمجموعات المسلحة، وغيرهم – حول ما تبقى من جثة سورية المهلهلة، ولا يزال هناك خيار أمام الولايات المتحدة الأمريكية. فكلما طال أمد الانتظار للمساعدة في إنهاء الحرب، ازدادت خياراتنا المتاحة سوءًا. ولكن لا ينبغي لأحد أن يصدق أنه ليس لدينا خيار آخر».

تحذير

مثلما حذر ويلسون من انتصار سوفييتي في أفغانستان، حذر ماكين من أن ما يجري في سورية لا يتعلق فقط بـ«معاناة الآخرين، بل إن الأمر يتعلق باعتبارات الأمن القومي للولايات المتحدة: إن إعادة إحياء تنظيم القاعدة في سورية يؤثر علينا. وصعود أكثر التنظيمات الإرهابية تطورًا في العالم يؤثر علينا».

واضاف «علينا الاعتراف بأن إنهاء الصراع في سورية لن يكون ممكنا حتى يدرك بشار الأسد ومؤيدوه الأجانب أنهم لن يمكنهم تحقيق النجاح عسكريا. ومن دون الوقوع في أخطاء: إن النجاح العسكري هو ما يحاولون فعلاً تحقيقه»

ويتابع «علينا تذكر حكمة وزير الخارجية الأسبق جورج شولتز: «الدبلوماسية التي لا تدعمها القوة، لن تكون ذات أثر فعال في أحسن الأحوال، وهي دبلوماسية شديدة الخطورة في أسوأ الأحوال».

وختم «لأن الولايات المتحدة لن يمكنها القضاء على كل مأساة في العالم، لا يعفينا ذلك من مسؤولية استخدام قوتنا العظمى في إنهاء أسوأ حالات الظلم والعدوان، حيث يمكننا ذلك، ولا سيما أن فعل ذلك من شأنه أن يفيد مصالحنا، ويجعل أمن الولايات المتحدة وأمن شركائنا أكثر رسوخًا ومتانة. لا يتحتم علينا أن نتحول إلى شرطي عالمي من أجل الدفاع عن مصالحنا. ولكن ليس بوسعنا حجب أنفسنا بعيدًا عن الفوضى التي تعم عالمنا الخطير. وإذا ما حاولنا، فإن عدم الاستقرار، والإرهاب، والدمار الماثل في قلب تلك الفوضى سوف يجد في نهاية المطاف طريقه إلى شواطئنا وأراضينا».

ويلسون

تشارلز نيسبيت ويلسون

ـ (1 يونيو 1933 - 10 فبراير 2010)

ـ ضابط بحرية أمريكي سابق

ـ ممثل عن الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي

ـ حرك الحكومة الأميركية لدعم المجاهدين الأفغان في محاربة السوفييت

ـ اشتهر بدعم عملية الإعصار، زودت المجاهدين الأفغان بالمعدات العسكرية


ماكين

- جون سيدني ماكين الثالث

- (29 أغسطس 1936 - 25 أغسطس 2018)

- سياسي وضابط بحرية أمريكي عمل كسيناتور أمريكي عن ولاية أريزونا منذ عام 1987 حتى وفاته

- المرشح الجمهوري لمنصب الرئيس الأمريكي في انتخابات 2008، وخسر أمام باراك أوباما.

- تخرج من أكاديمية البحرية الأمريكية عام 1958

- أصبح طيارا بحريا وأسر من قبل الفيتناميين

- تقاعد من البحرية كقائد عام 1981

- انتخب في مجلس النواب عام 1982

- فاز 5 مرات بالانتخابات النيابية آخرها 2016