مشكلة المناظرات الدينية بين المذاهب المختلفة، أنها تطول وتتراكم على مر الأيام وكثيراً ما تؤدي إلى نبش الدفائن وإثارة الأحقاد بين الناس، ومع عصر الانفتاح المعلوماتي وظهور القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت، تزايدت بشكل لافت للنظر، وبدأ البعض بالبحث عن نقاط العجز أو الضعف في مذهب أو معتقد الآخر.

قد يعترض معترض هنا ويقول: "ليس الهدف من المناظرات البحث عن هفوات الآخر، ولكن إزالة الفرقة والشقاق المستحوذ على طوائف المسلمين، ومن ثم تقريب وجهات النظر ولم الشمل بين الجميع".

هذا الاعتراض وجيه، ولكن المشكلة تكمن في أن كل طائفة مقتنعة تماماً بفكرة مذهبها، وتظن أن الناس جميعاً سيقتنعون بها، وبالتالي نرى كل فريق قد اعتاد أن يرى الحق بجانبه دون غيره، ويرى أيضاً أن المنطق لا يؤيد إلا فكرة مذهبه وحدها، وعليه فليس هناك مقياساً مطلقاً يرضى به الجميع، ولن يقتنع أحدهم بما يقوله الآخر، والكل يدعي أنه يسعى وراء الحقيقة، وكل طائفة ترى أنها الأصوب والأقرب إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

لذا نجد كثيراً من أتباع المذاهب المختلفة يرون أن العقل والمنطق يؤيد آراءهم ونظرياتهم، ولديهم الحجج والبراهين التي سوف تفحم الخصم بكل يسر وسهولة وأن الحق سوف ينتصر في النهاية، وهم لم يفطنوا إلى اختلاف المفاهيم والبيئة الثقافية والاجتماعية لكل مذهب أو طائفة، وكل طرف يرى سخف وعدم معقولية دليل ومنطق الآخر، لذلك نجدهم يسخرون منها، ويتهمون بعضهم بالمغالطة والمكابرة، لينتشر الحقد والنزاع ويكون أشدّه في عامة الناس.

من المؤسف أن نرى اليوم بعض الدعاة والمشايخ والمثقفين يطالبون بالمناظرة مع الآخر، غير مدركين خطورة هذا الأمر، حتى إن أحدهم عرض مكافأة مالية مقابل مناظرته وذلك من باب التحدي وقوة البراهين التي لديه!، والبعض الآخر يرى أن العزوف عن المناظرة معناه الخوف من المواجهة وضعف المذهب عموماً.

وعلى أي حال، فإن ما نشاهده اليوم في القنوات الفضائية، وما نقرأه في الإنترنت من كتابات ومقالات حول المناظرات وإثارة الأحقاد الطائفية، نجد أن سلاح الأطراف المتنازعة هو " التاريخ"، فنجد كل شخص ينهل منه ما يناسب مذهبه أو فكرته لتأييد رأيه ويقول للجميع لدي "البرهان القاطع" والصحيح الذي لا يختلف عليه اثنان، فيقول أحدهم على سبيل المثال: "أنا لم آت بشيء من عندي وإنما التاريخ يقول ذلك" أو يقول: "هذا موجود في كتبكم فلماذا تنكرون الحقيقة؟"، ثم يسرد الوقائع التاريخية ويستشهد بها ليدلل على رأيه أو رأي المذهب الذي ينتمي إليه، كما نجد البعض الآخر يقوم بإسقاط المفاهيم والنظريات الحديثة على أحداث التاريخ، متجاهلاً بذلك الظروف والمفاهيم والبيئة الاجتماعية التي يعيشها الناس آنذاك، ونلاحظ على هؤلاء أنهم يركزون على الشخصيات التاريخية فيقولون "فلان" (بطل وشهيد) ، و"فلان" طاغية ومتجبر في الأرض وهكذا، ويزعمون الموضوعية والحيادية في الطرح، و كثير من الناس ينخدع ويتأثر بما يقوله هؤلاء بسبب العاطفة المذهبية والجهل بالتاريخ.

للأسف الشديد أصبح التاريخ ألعوبة عند البعض، ووسيلة للهجوم على الآخر والسبب في رأيي كما ذكرت آنفاً هو جهل البعض وقراءة التاريخ من منظور عاطفي ومذهبي وأحد الأسباب الرئيسة يعود إلى الأسلوب التلقيني عند تدريس التاريخ كمادة تعليمية، فما زلت أتذكر ما كنا ندرسه في المدارس من معالم التاريخ، فكنا لا نفهم من التاريخ إلا أنها معلومات حقيقية وصحيحة لا غبار عليها، ويجب حفظها كما هي، نحفظ أسماء المعارك وتواريخها ومن المنتصر فيها وننسى هذا كله في يوم وليلة، لذا فليس من المستغرب أن نكون ضحية سهلة للمتلاعبين بالتاريخ.

فبدلاً من دراسة التاريخ من أجل تثقيف الناس ومساعدتهم في حل مشاكلهم والاستفادة منه في حاضرنا ومستقبلنا والاتعاظ مما جاء فيه، وتغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي إلى ما هو أفضل، استخدمناه في النزاع والاقتتال بيننا فلا نعرف من التاريخ إلا أن فلانا كان منافقاً أو شهيداً، أو أن الجيش الفلاني انتصر في المعركة الفلانية.

نحن بالفعل بحاجة إلى إعادة دراسة التاريخ بأدوات معرفية حديثة بعيدة كل البعد عن المذهبية والطائفية، وأذكر هنا أن بعض الباحثين ساروا على هذا النهج، ولكن سرعان ما وقعوا في فخ المذهبية، وبدلاً من التفرغ لذلك وإفادة الناس والمجتمع وقعوا في الجدل الذي لا طائل منه، ولا أعلم ما سبب ذلك؟، ولكن ربما يكون السبب الضغوط التي توالت عليهم نظراً للثقافة السائدة في قراءة التاريخ والتي ترى صحة المعلومة التاريخية على إطلاقها، بالإضافة إلى العاطفة المذهبية.

إن المنهج الحديث في دراسة التاريخ يعتمد على النقد المعرفي من خلال ما يسمى بالأدلة التاريخية، وكذلك النقد المنهجي للمؤرخين أنفسهم، وليس هذا فحسب بل يعتمد أيضاً على الاستنباط والاستفادة من المبادئ والنظريات القديمة في فهم العلوم الطبيعية والاجتماعية.

وما أروع ما قاله محمد بن جرير الطبري في مقدمة كتابه "تاريخ الأمم والملوك" ما نصه: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكر قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدّي إلينا"، وعليه فإني أتساءل : هل نستطيع تعليم الطلاب ما قاله الطبري؟ وهل نستطيع أيضاً تعليمهم كيف يقرأون التاريخ وينتقدونه ويستفيدون منه في حاضرهم ومستقبلهم بدلاً من حفظه واللجوء إليه من أجل التنازع والتنافر؟ أترك الإجابة للناس وللمجتمع وللتاريخ.