من أبجديات القيم الأكاديمية التي تعلمناها في مستهل عملنا الأكاديمي أثناء الإعادة في الجامعة أن عمل الجامعات ينصب على ثلاثة جوانب أساسية هي: التدريس وخدمة المجتمع والمشاركة المجتمعية. وخلال العقود الماضية وفي أواخر القرن الماضي، بل وفي مستهل الألفية الثالثة انصب عمل الجامعات لدينا على التدريس فقط مع مشاركات على استحياء في الخدمة المجتمعية وانحصرت بحوث الأكاديميين على بحوثهم بهدف الترقيات التي لا يستفاد منها غير هذا الهدف فقط، لأنها في الغالب الأعم بحوث نظرية لا تمت للواقع المعاش ومشكلاته بأي صلة.. فهي بحوث نظرية جامدة حققت فقط أهداف ترقيات أعضاء هيئة التدريس.
وسعدنا أخيرا للتوجه الأخير لبلادنا بأهمية تركيز الجامعات على البحث العلمي وأهمية تقديمه لحلول جذرية لمشكلات الوطن والتعامل معها وتقديم حلول لها، فكانت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية( KAUST) وواحدة أو اثنتان من الجامعات فقط بدأت تفعيل جانب مهم من جوانب وظائف الجامعات وهو البحث العلمي. وإذا دققنا في الأمر وجدنا أن البحث العلمي ليس فقط إحدى وظائف الجامعات بل هو وظيفة أساسية تقوم عليها الوظيفتان الأخريان: التدريس وخدمة المجتمع، وذلك لأننا لا يمكن أن نتصور تدريساً جامعياً ناجحاً ولا خدمة اجتماعية ناجحة دون بحث علمي ناجح وفاعل. ثم إننا لا نتصور أيضاً أن تحل مشكلة اجتماعية أو يتخذ قرار أساسي أو تنتهج سياسة معينة أو تقر خطة مهمة دون أن يتكئ حل تلك المشكلة أو ذلك القرار أو هذه السياسة أو تلك الخطة على بحث علمي يخرج لنا بنتائج علمية تضمن لنا نجاح الحل ومناسبة القرار وفاعلية السياسة ومناسبة الخطة. وأزعم أن هذه أبجديات لا تحتاج إلى عناء تفكير أو موهبة مُنَظَِّرْ ويعرفها جيدا الأكاديميون والقائمون والعاملون في مراكز البحوث.
هناك مراكز بحثية مستقلة في بلادنا ومراكز تابعة للجامعات وبعض الوزارات والمؤسسات المختلفة، ويصرف على البحوث والدراسات فيها مبالغ طائلة، على افتراض أن الوزير والمسؤول ورئيس المؤسسة لا يتخذ أي قرار أو يتبنى أي سياسة أو يقر أي خطة إلا بعد أن يقدم له مركز البحوث في مؤسسته نتائج علمية على التوجه الذي يجب أن تنحو نحوه تلك السياسة أو ذلك القرار أو هذه الخطة. ولا يفترض أن يقر أي مشروع تطويري إلا بعد دراسة مستفيضة يقوم بها مركز بحث ويقدم فيها من خلال تلك الدراسة نتائج علمية وآلية تطبيقية توضح خطوات ومراحل المشروع منذ أن كان فكرة حتى تثبت نتائجه على أرض الواقع.
لكن أين نحن من كل ذلك؟ وهل تقوم به مراكز بحوثنا؟ مراكز البحث معنية بتحليل وتشخيص مختلف القضايا والمشكلات والمستجدات والاحتياجات في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأمنية وما يتشعب من هذه المجالات من مناحي مختلفة، ثم تقدم حلولاً علاجية قائمة على البحوث والدراسات. هذا من جانب ومن الجانب الآخر يجب أن تستفيد مراكز البحث لدينا من المراكز العالمية المتقدمة والمعروفة على مستوى العالم وفي مختلف المجالات التخصصية.
ولهذا فإننا نطرح على الجامعات ومراكز البحث الأسئلة الآتية:
• هل تعتمد مؤسساتنا المختلفة فعلاً على البحث العلمي في قراراتها وخططها وسياساتها؟
• أين هي جوانب التطوير التي قامت بها مراكز البحث لدينا؟ وهل قامت بها بالمستوى المأمول؟
• هناك مراكز بحث عالمية تقود مختلف جوانب التنمية في البلاد المتقدمة، أين تقف مراكز البحث لدينا من تلك المراكز؟
إذا كان الجواب بالإيجاب: فهل تواكب تلك المؤسسات مثيلاتها في العالم المتقدم؟ وإذا كان الجواب بالنفي: فلماذا؟ وأين الخلل؟
في تقديري الشخصي أرى أن من مسؤوليات مراكز البحث في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ووزارة التعليم العالي ممثلة في الجامعات أن تعيد النظر في هذه القضية لتقوم بإعداد مراجعة شاملة لقضية البحث العلمي ليكون الهدف تكريس ثقافة البحث العلمي في بلادنا وبين مختلف مؤسساتنا على اختلاف أنواعها وتباين مجالاتها.
لا يمكن أن يكون لدينا تطوير ولا يمكن أن تكون لدينا ابتكارات ولا يمكن أن تكون لدينا اختراعات إلا إذا قمنا بتكريس البحث العلمي في مؤسساتنا ليكون قرار المسؤول مبنياً على نتائج علمية ولتكون الخطة المعتمدة مدروسة علمياً ولتكون السياسة المقرة معروفة البداية والنهاية. تعرفون جميعاً كم تنفق البلدان المتقدمة على البحث العلمي.. وتعرفون أن الشركات الكبرى تعتمد على تطوير ذواتها على البحث العلمي.
شركة مايكروسوفت التي تعرفونها جيدا على سبيل المثال تنفق 8 مليارات دولار أمريكي على البحث العلمي، ولهذا استمرت في السيادة، وعلى رأس شركات البرمجيات بالرغم من شراسة المنافسة وبالرغم من الحروب التنافسية التي تشن ضدها من الشركات المنافسة.
اسألوا المسؤولين في مختلف قطاعات التنمية عن أهداف الاجتماعات العديدة التي يعقدونها وأهداف تلك الاجتماعات. أخشى أن تكون الإجابة أنه في تلك الاجتماعات تقر سياسات وتتخذ قرارات وتُتَبَنى خطط يفترض أن تعد لها دراسات علمية .
من المفترض أن تكون هناك محاسبية على مستوى عال إذا فشلت أي مؤسسة أو قطاع معين في سياسة أقرها أو خطط نفذها ولم تؤد إلى النتائج المتوقعة منها بالرغم من صرف المال والوقت والجهد..إن عدم المحاسبية في ظني هو ما جعل أي متخذ للقرار أو متبن لسياسة أو مقر لخطة يقوم بكل ذلك دون عمل الخطوات المناسبة المتمثلة في الدراسات العلمية الضرورية، لأنه يعرف تماما أنه إن فشلت سياسته أو لم يؤد قراره للنتائج المرجوة أو لم تنجح خطته فلن يتوقف عليه أو على قطاعه أي مسؤولية تذكر.