في 23 أبريل، استخدم الرئيس باراك أوباما مناسبة زيارة متحف المحرقة اليهودية (الهولوكوست) في واشنطن ليطلق هجومه الأخير والأكثر طموحا على الدستور الأمريكي وميثاق الأمم المتحدة –"مجلس منع الفظائع"، وهو عبارة عن هيئة تابعة لمجلس الأمن القومي الأمريكي ومجلس الوزراء وتستهدف حكومات أجنبية يفترض أنها تخطط لارتكاب "فظائع جماعية" في المستقبل ضد شعوبها. كرر أوباما عدة مرات عبارة "لن يتكرر ذلك مرة أخرى"، وهو الشعار الذي تستخدمه حركة الصهيونية العالمية للتأكيد أن المحرقة اليهودية لن تتعرض للنسيان، وأن الولايات المتحدة وأوروبا ستدافعان عن إسرائيل دون شروط، واتخذ الرئيس الأمريكي خطوتين كبيرتين يجب أن تقلقا المجتمع الدولي.

أولا، أعطى أوباما موافقة الرئاسة الأمريكية على "الحرب الوقائية، والتي يمنعها صراحة ميثاق الأمم المتحدة، وثانيا، أشار إلى أنه، من وجهة نظره، ستكون إسرائيل معفاة من أي مسؤولية لارتكاب فظائع ضد مدنيين. أوباما قال إنه أعطى وعدا "بأنني سوف أكون موجودا من أجل إسرائيل. ولذلك عندما تبذل جهود للمساواة بين العنصرية والصهيونية، نحن نرفضها. عندما تستهدف منتديات عالمية إسرائيل بشكل خاص بقرارات غير عادلة، نصوت ضدها..." لم يشر بشكل خاص إلى تصويت الولايات المتحدة في مارس ضد قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنشاء لجنة للتحقيق في توسيع المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين، كما لم تكن هناك حاجة للإشارة إلى تصويت الولايات المتحدة في فبراير 2011 ضد قرار مجلس الأمن الدولي اعتبار المستوطنات انتهاكا للقانون الدولي. لم يكن هناك حاجة للتحديد. الجمهور في متحف المحرقة اليهودية كانوا يعرفون ما فعله أوباما بالوقوف إلى جانب إسرائيل ورئيس وزرائها الفاشي بنيامين نتنياهو. لكن باقي العالم ربما لم يلاحظ ذلك.

عقيدة أوباما التي أعلنها في 23 أبريل لم تكن مجرد خطاب –كانت كشفا محسوبا لسياسة إمبريالية جديدة تسمى "مسؤولية الحماية"، وهي سياسة كان قد ألمح إليها لدى تسلمه جائزة نوبل للسلام التي لا يستحقها في 2009، وطبق تلك العقيدة في نفس اليوم. بعد خطاب أوباما مباشرة، استضافت مساعدتاه فاليري جاريت وسامانثا باور حدثا في البيت الأبيض قامتا خلاله بإطلاق "مجلس منع الفظائع". كثير من التحضير لهذا اليوم تم في سرية تامة من خلال استخدام أوباما الأوامر التنفيذية والتوجيهات الرئاسية –دون نقاش، دون إعلان، ودون استشارة أو موافقة الكونجرس.

في أغسطس 2011، وضع أوباما الأساس لعقيدته "الحرب الوقائية لأسباب إنسانية" التي تنص على أن منع ارتكاب الفظائع الجماعية والإبادة الجماعية يعتبر "اهتماما رئيسيا" للولايات المتحدة. الآن أكد أوباما حق أخذ الولايات المتحدة إلى حرب دون التشاور مع أو موافقة الكونجرس، في انتهاك واضح للمادة 1، البند 8 من الدستور الأمريكي. كما أنه يؤكد أيضا أن مقولات السيادة الوطنية، ومنع الحرب الوقائية –وكلاهما مبادئ رئيسية في ميثاق الأمم المتحدة- تعتبر لاغية.

"الحرب الوقائية" بحد ذاتها عمل وحشي لكن الولايات المتحدة تبنتها الآن كسياسة لها، باستخدام الكلمات المشفرة "مسؤولية الحماية" و "منع ارتكاب الفظائع"، تعتبر عقيدة أوباما الجديدة عودة خطيرة إلى الإمبريالية البريطانية التي أدانها الرئيس فرانكلين روزفلت صراحة وقاتلها إلى لحظة وفاته، مع بداية تأسيس الأمم المتحدة. أوباما يتصرف وفق نص أعلنه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في شيكاغو في أبريل 1999. بلير، متحدثا وسط حرب كوسوفو، أعلن أن العالم دخل مرحلة ما بعد السيادة الوطنية، وفيها تستطيع الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي أن تطيح بأي حكومة تحت ستار "التدخل الإنساني". هذه عقيدة إمبريالية قديمة تعود إلى الإمبراطورية الرومانية. هذه هي العقيدة الإمبريالية البريطانية التي تقود السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي للرئيس أوباما.

بعبارة أخرى: الرئيس الأمريكي يؤكد الحق بالحرب الوقائية التي حوكم عليها النازيون في نورمبرج. مصادر مقربة من البيت الأبيض تقول إن موظفي مجلس الأمن القومي الذين عملوا على إطلاق مجلس منع ارتكاب الفظائع جمعوا بالفعل قائمة تحوي 80 دولة يمكن أن تكون على قائمة الأهداف. دون شك ستكون روسيا والصين قرب أعلى القائمة. بالإضافة إلى ذلك، أعلن الرئيس أنه أمر مدير الاستخبارات الوطنية بإعداد تقييم استخباراتي وطني يعد لأول مرة حول احتمالات ارتكاب فظائع جماعية حول العالم. ستكون السودان والصومال وليبيا وسورية وإيران ضمن الأهداف المباشرة لقائمة "حق الحماية". في الولايات المتحدة، ليس من المستحيل استغلال الرأي العام ضد الدول الإسلامية. ولكن ليس هناك دولة يمكن أن تسلم من هذا التهديد الإمبريالي. في نقاش مطول تم على مدى عدة جلسات للجمعية العامة في الأمم المتحدة في يوليو 2009، تم تمرير قرار ضعيف بالاستمرار في دراسة عقيدة "حق الحماية". مجموعة دول عدم الانحياز، التي تحوي 118 عضوا فيها و 18 دولة مراقبة، اعترضت على مبدأ "حق الحماية" واعتبرته خطرا على السيادة الوطنية وأداة للعقاب الانتقائي. في ذلك النقاش نفسه، أدلى سفير الصين ليو زينمين بتصريح بليغ حذر فيه من إساءة استخدام مبدأ حق الحماية، والذي يهدد بالتحول إلى نسخة أخرى من "التدخل لأسباب إنسانية". ليو أكد أن حق الحماية لا يشكل قاعدة في القانون الدولي، وأن على الدول أن تمتنع عن استخدام مبدأ حق الحماية لممارسة الضغوط على دول أخرى.