نظر حوله فوجد كل شيء أخضر في بساط يمتد على امتداد البصر.. الأشجار متناثرة هنا وهناك، ليست متشابكة كغابات الأمازون أو خط الاستواء المليئة بالوحوش والقردة والبعوض، رغم شدة جمالها فمحدودية الرؤية في كثافتها تشعر الإنسان بالخوف من المجهول في عالم يعمه السكون ونقيق الضفادع، إنما هنا فالسكون مريح.. سكون الطمأنينة والرضا والقناعة وانسجام الذات.

كلما نظر حوله لم يجد سوى ثمار تتساقط في كل مكان، ليس بينها الفجة أو العطنة، فيذر كل الفاكهة العطنة واللقحة بكل التجارب البيولوجية والحيوية التي شقي بها طيلة عمره. نغمات تنساب من بين حفيف الأشجار، تتناغم مع كل ما ترسله أعشاش البلابل من إيقاعات متسقة ذات الألوان المكسبة للطبيعة زهوا وألقا فيتذكر حينها كل فوضى موسيقية يحياها أبناء جيله والتي يطرب لها رواد "الديسكو" أو الغاضبون على واقعهم فتصم آذانهم عنه. طفق يقدم قدما ويؤخر أخرى احتراما لهذا الجمال وخوفا من إتلافه، حامدا الله أنه وجد عالما بعيدا عن شوارع تضج بالقمامة التي يلقيها كل عابر سبيل تحت قدميه.. لكن خوفه هنا يختلف عن الخوف الذي اعتاد عليه.. الخوف من طارق للباب، ربما صاحب البقالة أو فاتورة النور أو ربما أحد أقاربه وبيته لا يحتوي إلا على زجاجات الماء غير المثلج. أو خوف من رئيسه في العمل إذا ما تأخر عن توصيل الطلبات لزوجته وشراء الحاجات من السوق وتسلية الأطفال.. خوف من صوت زوجته تخبره أن هذا اليوم آخر الشهر ومتطلباته.

خرير المياه ورذاذ المطر يغسلان عينيه اللتين أجهدتهما أجهزة الإعلام بالضجيج والصور العارية والفوضى الأخلاقية واللا أخلاقية من مسلسلات وأفلام "ونت" وأغنيات تتلوى فيها النساء كثعابين المساء.. حتى الصحف التي يتناقل الخبر بينها لا يأتي أي منها بجديد، بل إن تسرب الكلام بينها أشد ضراوة من أنفلونزا الطيور التي أقفلت شهيته للطعام فهرع إلى الجبن واللبن ولحوم الأبقار، فأتاه الخبر بالحمى القلاعية وجنون البقر فهرع إلى الفاكهة والخضراوات، فسمع عن تلك الأنباء بالتلوث البيئي والبيولوجي والعلاج الوراثي وما يتركه من أمراض ومسببات الأورام، أو خوفه من أن يمد يده ليصافح صديقا ربما أنه مصاب بفيروس الكبد الذي حصد الأنفس دون هوادة. أما الخوف من الإيدز فخوف محدود لأنه، ولله الحمد، متدين إلا إذا ما ابتلاه الله بنقل دم من أحد بنوك الدم غير المسؤولة.

إن خوفه هذه المرة يختلف عن كل خوف، خوف ينبع من فرط السعادة.. وهل للسعادة من خوف؟! بلى الخوف من زوال النعمة، الخوف من استمرار الأمان، الخوف من الجمال المفرط وتعدد النعم، فوكز نفسه وكزة استنفار للذات.. لماذا الخوف؟.. إن أصابتنا النعم نخاف، وإن أصابنا الهم نخاف، يبدو أن ثيمة الخوف متأصلة في الإنسان العربي فإذا تداعت المخاطر خاف، وإن زالت جميعها خاف حتى من المجهول، فلا مناص له من الخوف واستنباط بواعثه حتى في الأحلام، حيث تبدو على شاكلة كوابيس مزعجة.

إن علماء النفس يردون بواعث الخوف إلى أصول التربية، وبث الخوف والرعب في أطفالنا مرة بالسعلاة ومرة بالغول والعنقاء ومرة "أبو رجل مسلوخة"، حتى المرأة تأصل فيها الخوف من أبيها أو الأخ الأكبر حتى باتت غير قادرة على اتخاذ القرار. إن الإنسان يقبع بداخله لا يقوى على الحراك، لا لشيء سوى أنه خائف. والمثل المنزرع بدواخلنا يقول: "من خاف سلم" ، أو "يا بخت من بات مظلوم ولا باتش ظالم"، والمثل المصري يقول: "بات جبان تبات مستور".

إننا نتعاطى أيقونات الخوف كحبات "أنتيبيوتك" كل يوم ثلاث مرات لمكافحة الجرأة واتخاذ القرار والمواجهة والصدع بالقول في سبيل الاتساق مع الذات.

لا يهمه شيء في هذه اللحظة سوى الإمساك باللحظة، فلديه من الجمال والكمال ما لم يقرأه في "حواديت" الخيال، فلا استعداد لديه للعودة إلى عالم ملوث بكيميائيات الحروب وفيروسات الكذب والخداع ولبس الأقنعة وحمى المجاملة وصراخ الزوجة والأولاد آخر كل شهر.

من أين تسترد الأمة عافيتها؟ من حمم وبراكين الاستكانة وتربية الأبناء على التبعية والإطاحة بالمسؤولية على أعتاب الآخرين؟!

إن الأمة هي الفرد، فلا سبيل إلى إلقاء التبعات على الآخرين في تلمس لتبرئة الذات مكسبة الخطأ. إن حرصه الدائم على البقاء في هذا العالم الأرجواني جعله لا يقوى على حراك قدميه أو نقل إحداها تلو الأخرى، خوفاً أيضا من تغير الوضع وهروب اللحظة، فشخص بعينيه إلى البعيد.. البعيد ربما تمطر له السماء بالحور الحسان فتكتمل النشوة. واستمر في وضعه دون حراك.. دون فعل، ولِمَ الأفعال؟ فهي المحرك للأحداث والمغير لاتجاه الرغبات! الأفعال شيء مشين في عالمنا، الأفعال تغير وهو لا يحب أن يتغير شيء، فليدع قدميه ملتصقتين بذاك العشب الأخضر الأخاذ، لا ضير من بعض الصقيع وتدافع الغيوم وقطرات الرذاذ.. لا ضير، إلا أن ثعبانا أملس قد تسلل إلى تلك القدم التي لا تقوى على الحراك فأطلق صرخته المدوية لتوقظه زوجته من الثعابين الملتوية وكوابيس المساء.