هل أصبح العقل الإنساني يشعر بالكسل والوهن حين بدأ يفقد ذلك الحس الطاغي والدهشة المشعة؟ التي كانت تعتمره ويلوذ بها عندما يقف أمامها كحالة انفعالية تأخذه بين "الخوف والرهبة والتشويق، وحب الاستطلاع والمتعة والطمأنينة، والتذكر والرعب والتخيل والوحشة، والالتباس والفقدان والتوجس والبهجة، والتي أطلق عليها الدكتور شاكر عبدالحميد مسمى "الغرابة" كغرابة غير المألوف، وغرابة المألوف، فقد يداهمك ذلك الشعور، ويراودك، ويشاغلك، كأنه شيء يوشك على الحدوث، وقد يحدث أولا يحدث ولكن لأنه غامض غير معروف ولا نعرف متى سيظهر وكيف وأين، تتولد لدينا مشاعر الخوف منه، وترتبط الغرابة بكل ما هو مكبوت في أعماق لا وعينا الجمعي، كقصة الكاتب التشيكي جوزيف كافكا حين يتحول شخص إلى حشرة مخيفة مقززة وكانت هذه الغرابة الأولى، غرابة المظهر الخارجي ولم تكن هي الغرابة المقصودة في ذلك العمل الأدبي، بل يكمن جوهر الغرابة في أن أسرته أصبحت تتعامل مع ما حدث له على أنه شيء عادي، لقد أصبح غير المألوف الذي حدث لابنهم شيئاً مألوفاً اعتادوه، مثلما يصبح سكنى المقابر في بعض البلدان أمراً مألوفاً بالنسبة إلى الأحياء من البشر.
إن توقد الغرابة وتجلياتها المخيفة في الذاكرة الإنسانية قد تضعف ذلك الاشتعال والامتداد التخيلي والانفعالي، ويقلص تلك المساحات والمفاجآت المتوقعة وغير المتوقعة، ويعطل ديناميكية التفكير كاستجابة الجهاز العصبي فينا مما يصيبه باضطراب الرؤية ووهن الرهافة النفسية. التفت إلى طفلك وأنت تحمل له لعبة تعتقد جازماً أنها تستثير شعوره وتستغرق تفكيره وحواسه، ولكنك تكتشف أنك كنت واهماً فينكسر في داخلك ذلك الفرح الأبوي. ترى كيف غاب ذلك الإحساس عند الطفل؟ وكيف اختل ذلك الشعور؟ هل هو اهتزاز الشخصية الحدية مما أدى إلى فقدانها الشعور بالبهجة أم تلبسته حالة "الغرابة" في معناها السيكولوجي؟ الذي حدده الدكتور عبدالحميد "بانتفاء الألفة وغياب الشعور بالأمن وحضور الخوف في الحياة وظهور المألوف في سياق غير مألوف من الأفكار والتصورات والانفعالات".
إن الغرابة تكون أشد وضوحاً عندما يأتي إنسان القرية وهو يجوس في أزقة المدينة فيسيخ في طوفانها البشري، وتنشب مخالبها في داخله كالوحش الضاري، فيشعر بالصدمة والحيرة والغربة والضياع والصراع المدمر، مما يجرح تشكله الإنساني والروحي، ويشعره بالغربة المكانية المضادة، مما يؤدي إلى انحسار فرص السعادة ويبعثر إحساسه المفعم بالومضة الفطرية والمحتوى البريء والصافي، فقد عجزت المدينة عن منحه الأمن والاستقرار والطمأنينة، والطريق المتسع لمرور الرياح كما في قريته.