قبل أيام، بعثَ إليَّ الصديق، والكاتب السعودي الجاد الأستاذ يعقوب محمد إسحاق بسِفْره الضخم وبأجزائه الأربعة (2397 صفحة) الذي جمع فيه بمشاركة الدكتور محمود محمد بترجي، معظم ما كُتبَ عن المسألة التنويرية السعودية تحت عنوان: "معارك التنويريين السعوديين لمحو الظلام" الذي نشرته "دار مدارك" في دبي وبيروت، وبيع في معرض الكتاب الأخير 2012 في الرياض.
والأستاذ يعقوب محمد إسحاق هو "بابا يعقوب"، الذي كتب للطفل السعودي خاصة وللعربي عامة، عدة كتب نافعة ومفيدة، رغم صعوبة وندرة كتب الأطفال في العالم العربي، والعالم كله. فالطفل يحتاج إلى لغة خاصة ملائكية لمخاطبته. ولكن يظل "بابا يعقوب" في الكفة الموازية لكامل الكيلاني الرائد المصري في الكتابة للطفل ورائد أدب الطفل في مصر، كما هو يعقوب إسحاق رائد أدب الطفل في المملكة العربية السعودية. والأستاذ يعقوب إسحاق، كاتب سعودي تنويري، كَتبَ عدة كتب في هذا الشأن منها: "الاستبداد"، و"إصلاح الفكر الديني"، و"تقويم الفكر الديني"، و"الإصلاح السياسي هدف الأمر بالمعروف"، وغيرها من الكتب التنويرية. وجاء سِفْره "معارك التنويريين السعوديين لمحو الظلام" متابعة لطريقه التنويري الذي يُحسب له بالدرجة الأولى، كما يحسب لكل الكتَّاب والمفكرين السعوديين والعرب، الذين اشتركوا في تحرير هذا السِفْر المهم جداً، والذي يقدم الدليل القاطع والمانع على الحراك التنويري المبارك في السعودية.
ما الذي دفع الأستاذين (يعقوب إسحاق ومحمود بترجي) إلى هذا الجهد الثقافي، الذي هو من أحمال وزارات الثقافة الثقيلة عادة، والذي كلف الأستاذين (إسحاق والبترجي) جهداً كثيراً، ووقتاً طويلاً، وربما مالاً كبيراً؟ إنه الإيمان العميق بأن التنوير طريق الإصلاح، وأن الإصلاح طريق الاستقرار، وأن الاستقرار طريق النماء، وسكة السلامة.
لا بد أن سنوات طويلة استغرقها هذان الباحثان الجادان في تحرير هذا السِفْر. صحيح أن هذا السِفْر ليس فيه مجهود إبداعي خاص، ولكن فيه نفس الإبداع وروحه. وهو جهد كما قلنا في عنوان هذا المقال: "جهد ثقافي تاريخي سعودي محمود".
-1-
هو جهد ثقافي تاريخي، لأنه جهد غير مسبوق في الثقافة العربية عامة. وهو جهد ثقافي تاريخي مكرّسٌ للتنوير والتنويريين وفتوحاتهم الثقافية المتواصلة، عسى أن يأتي هذا التنوير بثمرة شبيهة بالثمرة التي أتى بها تنوير الأمم الأخرى فيما مضى.
-2-
وهو جهد ثقافي تاريخي، لأن الأستاذين (إسحاق والبترجي) لا يبغيان من ورائه غير الخير للوطن، الذي جُمع وكُتب هذا السِفْر من أجله. فهدفهما من هذا السِفْر البناء وليس الهدم، والفضيلة وليس العبث، والخير وليس الشر، والعمل وليس الكسل، والجد وليس اللعب. وهما قد فكرا طويلاً في كيفية خدمة وطنهما، وتقديم طريق قويم للأجيال القادمة، لكي تعرف جزءاً من تاريخ الثقافة السعودية، فوجدا هذا الطريق القويم والسليم.
-3-
وهذا الجهد ثقافي تاريخي، لأنه قام وتحقق من أجل الثقافة، ولا شيء غير الثقافة، دون أي مردود مادي. وربما كان فيه خسارة مادية للأستاذين (إسحاق والبترجي) وللناشر أيضاً. فالأستاذان (إسحاق والبترجي)، لم يتقاضيا أي مبلغ على جهودهما في السنوات الماضية، في جمع مادة هذا الكتاب والجهد الكبير المبذول فيه. وجمعهما لمادة هذا الكتاب فيه رسالة واضحة وصحيحة، وهي أن المقالات الصحفية ضائعة في آخر النهار، ولا يقدر على جمعها غير الباحثين الأكاديميين.
-4-
كان يمكن للأستاذين (إسحاق والبترجي) أن يتجها إلى التجارة، أو إلى الصناعة لجمع المال، والتبجح بالمشاركة في التنمية الوطنية، كما يفعل بعض رجال الأعمال. كان يمكن أن يعملا في تجارة العقار وشراء وبيع الأراضي المربحة، ويفتحا مكتباً للعقار لهذا الغرض، أو يملكا "بسطة" خضار في سوق الخضار، أو سوق السمك، أو يعملا كسمسارين لتشغيل الأجانب تحت كفالتهما، ويكسبا المال الوفير، ولكنهما قررا سلوك الطريق الثقافي الوعر، والشاق، من أجل الأجيال القادمة، وليس من أجل هذا الجيل فقط.
-5-
وبمقارنة ما كُتبَ في مصر في الثلاثينيات من القرن الماضي وفي زمن طه حسين، وحسين هيكل، وعلي عبد الرازق، وحسن الزيات، وسلامة موسى، وغيرهم من رواد التنوير المصري في تلك الحقبة، وبين ما كتبه رواد التنوير السعوديين الذين بلغ عددهم أكثر من مئة كاتب يضخون في كل فترة مئة مقالة تنويرية، نجد أن جهد السعوديين فائق ومتميز. وأنا لن أذكر هنا اسم أحد منهم حتى لا أُغفل أحداً، ممن ضمهم سِفْر "معارك التنويريين السعوديين لمحو الظلام". وإن كُنتُ لا أفضل كلمة "معارك" لأن المعارك فيها رابح وخاسر، وهنا لا رابح ولا خاسر. وكان من المفضل استبدالها بكلمة "جهود" ليصبح العنوان "جهود التنويريين السعوديين لإنارة الطريق" وليس لمحو الظلام، لأن الظلام لا يُمحى، مهما طال النهار، وأضاءت الشمس.
وأخيراً كنت أتمنى لو أن "اليونسكو" (منظمة الأمم المتحدة للعلم والتربية والثقافية) تبنّت نشرَ هذا السِفْر ورعايته، كما سبق وتبنّت مؤسسة "فريدريش ناومان" الألمانية كتاب "الليبرالية في تاريخ الفكر العربي" الذي صدر عن "مركز المحروسة للنشر والتوزيع" في القاهرة. وتبني الأمم المتحدة لمثل هذا المشروع، سيكون امتداداً لتقرير الأمم المتحدة عن "التنمية البشرية العربية" الذي بدأت الأمم المتحدة بنشره سنوياً منذ عام 2002. وإذا عجزت الأمم المتحدة عن نشر هذا المشروع، فلتقم بنشره منظمة "الأليسكو" (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) التابعة لجامعة الدول العربية. ففي هذا السِفْر الفائدة العلمية الغزيرة، التي من شأنها أن تفيد العرب جيلاً بعد جيل.