تاريخيا وبالأرقام 40% من مجموع الحاصلين على جوائز نوبل بالاقتصاد هم يهود و26% من الحاصلين على جوائز نوبل بالطب و26% من الحاصلين على جوائز نوبل في الفيزياء يهود أيضاً.

يشكل اليهود أقل من 2 من الألف من سكان العالم، ومع ذلك يشكلون حوالي 20% من الحاصلين على جوائز نوبل! أي أن نسبة حصولهم على جائزة نوبل أكثر بمائة ضعف من نسبة عددهم!

قد لا تعرف أن من شارك مع فليمنغ في اكتشاف الأثر الدوائي للبنسلين كمضاد حيوي وأنقذ حياة الملايين هو ارنست شاين وهو يهودي، وأن من اكتشف فيروس الكبد الوبائي سي، يهودي، وأن كثيرا من مخترعي اللقاحات يهود، ومن اكتشف أنواع فصائل الدم عند الإنسان يهودي، والقائمة تطول. يقدر أن العلماء اليهود في المجالات الطبية والصحية من خلال اكتشافاتهم واختراعاتهم أنقذوا حياة 2.8 مليار شخص، أما الفروع الأخرى من العلم مثل الفيزياء، فإن أعظم فيزيائي في تاريخ العالم هو ألبرت أينشتاين وهو يهودي، وحتى لا تعتقد أن الغرب يجامل اليهود فإن حتى جائزة كيوتو في اليابان، التي تعتبر أرقى جائزة تمنح في مجال العلوم والأدب، فإن حوالي ربع الفائزين فيها عبر تاريخها يهود.

هناك مشكلة حديثة نسبيا بين أبناء العم العرب واليهود، أو لنقل بين (الساميين) التي تجمعنا كعرب ويهود، البعض عندما يسمع كلمة يهودي فإن أول ما يخطر في باله سرقة فلسطين وتعذيب شارون للفلسطينيين، ومع الشحن المستمر منذ عقود بسبب الحروب العربية الإسرائيلية، تكون نوع من الجدار الحاجز، وهذا الجدار حجب الرؤية عن اليهود ومزجهم مع إسرائيل، ويجب أن نفرق بين اليهود وبين إسرائيل، وبين اليهود كشعب، وأبناء عم، وبين الصهيونية كحركة سياسية. وهناك فرق بين الشعب وبين السياسة، ربما هناك حتى بعض الحركات السياسية العربية، قد لا تتفق معها، لكن لا يعني ألا تتفق مع العرب كلهم، وكذلك الحال مع اليهود.

للأسف أدى هذا الشحن والمزج بين اليهود والصهيونية، إلى هجرة اليهود العرب، الذين هم عرب منذ مئات السنين، وخسرنا مكونا هاما في البلاد العربية، كالعراق خسر يهوده، ومنهم كان ساسون حسقيل أول وزير مالية في تاريخ العراق الحديث، وقصته شهيرة وهو من أصر وفاوض البريطانيين على أن يكون دفع سعر النفط العراقي المباع بالشلن الذهبي، ما أنعش ميزانية العراق. شغل ساسون حسقيل منصب وزير المالية خمس مرات، وله قصة شهيرة عندما رفض أن يعطي لملك العراق 20 دينارا لبناء مدرسة، لأن البرلمان لم يقرها. وإلى وقت قريب، وزراء ومسؤولون كبار في بعض الدول العربية هم يهود مثل سيرج بيرديغو، وأندريه أزولاي من يهود المغرب.

وللعلم للعرب والمسلمين مواقف مشرفة مع أبناء عمومتهم اليهود عبر التاريخ، وعلى سبيل المثال عبدالقادر بن غبريط مؤسس المعهد الإسلامي في مسجد باريس الكبير الذي أنقذ مئات اليهود من المذابح النازية بإعطائهم أوراقا تشير إلى أنهم مسلمون حتى لا يلاحقهم النازيون. وسكن مئات الآلاف من اليهود في الدول العربية، لمئات السنين يثبت الارتياح الذي كان يشعر به اليهود في البلاد العربية وبين العرب، على عكس الغيتوهات الضيقة والمعاملة المهينة والعنصرية لهم في الغرب آنذاك.

قد ينفعل البعض بسبب التصرفات السيئة من بعض الإسرائيليين، لكن على الجميع الاعتراف أن لليهود معاملة خاصة، ليس فقط بسبب أبناء العمومة من عرق الساميين، ولكن حتى دينيا، ومعروف للجميع موضوع الأكل، المسلمون يأكلون طعام اليهود (الكوشر) وخصوصا في الغرب، وأيضا الدين الإسلامي سمح بالزواج من اليهوديات، والزواج علاقة مقدسة مبنية على الحب والاحترام، لا يعقل أن يتزوج أحدهم يهودية ويكرهها، أو لا يحترم أهلها، وهذا ما يربط الأديان السماوية الثلاثة.

ربما تعود اليهود خلال قرون على العنصرية والازدراء والظلم في أوروبا، وكانوا يرون في العرب المناصر لهم، لذلك انتشروا في كل البلاد العربية، ولأن لهم معاملة خاصة وميزات عن بقية أتباع الديانات من قبل العرب، وحتى عندما كان العثمانيون يستغلون ثراءهم بحلب أموال تجارهم، فإن العرب كانوا عادلين معهم، بالمقابل عانى اليهود الظلم والعنصرية عبر التاريخ، خصوصا في العصور الوسطى وأيضا فترة سيطرة رجال الدين المسيحيين في أوروبا. حتى حكام أوروبا ظلموا اليهود، فهناك الحادثة التاريخية الشهيرة لطرد اليهود من إنجلترا بقرار إدوارد الأول، وبقي القرار لمئات السنين، وهذا مجرد حلقة من سلسلة قتل وتعذيب اليهود والتخلص منهم بسبب الديون، حيث حاول فيها الفرسان والنبلاء الإنجليز التخلص من الديون التي عليهم بالتخلص من اليهود الدائنين وقتلهم ونفيهم. المعاملة غير الإنسانية عبر قرون أكسبت اليهود مهارات فردية كثيرة حتى يستطيعوا العيش في مجتمعات كانت تعاملهم بقسوة، فهم أفضل رجال المال وأيضا صاغة الذهب والمجوهرات ومن أفضل الحرفيين، وكانت معاناة اليهود الكبرى حتى عندما قدمت النازية وارتكبت المجازر المروعة والمحرقة في حق اليهود، (الهلوكوست)، وقتلت الملايين من اليهود الأبرياء، ووقف الأوروبيون موقف المتفرج، وكان من الممكن أن يعملوا الكثير لحمايتهم! وأما حرب الأوروبيين ضد هتلر فكانت بسبب أنه يهدد أوروبا أكثر منها نصرة لليهود، وحاول الأوروبيون التخلص من الشعور بالذنب من خلال تسفير اليهود للبلاد العربية، ومن باب تصدير المشكلة وجعل الساميين يحلون مشاكلهم بين بعضهم. فعندما خرج اليهود من معسكرات الاعتقال النازي، وجدوا أن الأوروبيين الآخرين أخذوا منازلهم، واستولوا على محلاتهم وأملاكهم، خصوصا أنه معروف للجميع العدد الكبير لممتلكات التجار اليهود، لذلك سعى الأوروبيون بسرعة للتخلص من المشكلة، بمحاولة صرف الأنظار، وتصدير اليهود لفلسطين، وإلا المنطق والعدل يقول إنه يجب تعويض اليهود بدولة في أوروبا، أو إعطائهم جزءا من ألمانيا، ولا أعتقد أن ما دفعه الأوروبيون كتعويضات لليهود كاف لجزء من العذاب الذي ذاقوه. وعادة اليهود (شاطرين) في الصفقات والاتفاقات، لكن أعتقد أنهم في هذا الاتفاق تلقوا أقل من المعقول !

قد يقول قائل إن اليهود سعوا لدخول فلسطين من أيام العثمانيين، ووعد بلفور وأنهم هم من رغبوا بوطن لليهود في فلسطين، لكن نعتقد أن من زرع الفكرة هم الأوروبيون خصوصا الخبث والدهاء البريطاني، أو سياسة المسامير الشهيرة في الإمبراطورية البريطانية، وكما زرعوا الهنود في جنوب إفريقيا مثلاً. لقد تعرض اليهود لانتهاكات وظلم وقتل يجب ألا ينكره أحد، وصدمات نفسية كبيرة. حاول كثير من اليهود التصالح مع النفس وشفائها، ومحاولة البراعة في مجالاتهم، وهذا أنتج الصفوة اليهودية في أمريكا. لكن هناك بعض الصهاينة وعند قيام إسرائيل ارتكبوا مذابح في حق الفلسطينيين بدم بارد مثل مذبحة دير ياسين وغيرها، كنا نتمنى أن يعاد النموذج اليهودي الأمريكي في إسرائيل ولكن للأسف، كانوا شرسين حتى مع أبناء عمهم العرب، وتم حرمان العرب حتى من استخدام المظلة السامية للحماية من العنصرية، والتي يتعرض لها بعض العرب من بعض الشعوب، ومع الوقت ومع الحروب العربية الإسرائيلية، ومع الشحن الدولي للطرفين تكونت عداوات وبغضاء بين الجانبين، لدرجة عندما يسمع العربي كلمة (يهودي) فإنه يخطر على باله شارون، وليس يهود أمريكا وأوروبا ومثقفيها وعلماءها، ورجال السلام فيها، مثل رينيه كاسان أو نعوم تشومسكي.

ربما حان الوقت لاسترجاع العلاقة التاريخية والروابط بين العرب، وأبناء عمومتهم اليهود خصوصا في أمريكا وأوروبا، ولهذا عدة أسباب مهمة، سأشرحها بالتفصيل في مقال لاحق. لكن ببساطة صفوة المجتمع الغربي هم أبناء عمنا اليهود في المجالات المهمة، وهم مختلفون ومنفتحون ذوو أفق متسع حتى في تصويتهم وأفكارهم، وربما الإسرائيليون تأثروا بالتشدد العام في المنطقة، فأصبحوا متشددين مقارنة ببقية يهود الغرب، وسنشرح في المقال القادم علاقتنا، وسأضرب أمثلة على العلاقة بين اليهود والخليجيين في الغرب، ولماذا كان حتى الملتزمين العرب يفضلون الأماكن اليهودية ؟ وما موقفنا من فلسطين، وهل بعض الأوروبيين يحضرون لمحرقة جديدة للساميين بشقيهم من خلال محاولة دعم إيران نووية حتى لا تتلطخ أيديهم بشكل مباشر بمحرقة جديدة ! للحديث بقية.