يرتبط فكر المثقف بـ"النقد المعرفي" كوظيفة، فالمعارف اليوم هي معارف نقدية، وبالتالي فإن النقد ليس فقط وجهاً من أوجه الفكر المعاصر، أو مرحلةً من مراحله، إنما هو جوهر الفكر وروحه، كما يشير المفكر المغربي عبدالسلام بن عبدالعالي.

ومن هنا يكون النقد بشتى أوجهه دوراً يقوم المثقف كنوع من اتخاذ وإيضاح موقف فكري من قضية ما في حالة معينة، ومن بداهة القول إن الدور الفعّال والفعلي المفترض للمثقفين المؤثرين ينصبُّ أساساً على الاهتمام بإنتاج وإعادة الوعي من خلال نشر الأفكار؛ ولكن هذا لا يعني أن وظيفة المثقف تنحصر في تقديم كل ما يطلبه الجمهور، إنما في إنتاج معرفة نظرية تقوم على النقد منطقي بشكل أساسي.

والخطأ المنهجي الذي يقع فيه البعض، هو التأكيد على أن (التفكير) ليس حكراً على المثقف، فكل البشر يفكرون قبل أن يتصرفوا أي تصرف في حياتهم اليومية! هذا صحيح على المستوى الطبيعي/الغرائزي، فحتى الحيوانات تفكر كيف تحصل على طعامها بطرق، قد تكون ذكية، لكنها لا تتجاوز حدود غرائزها. وقد أثبتت التجارب العلمية أن الحيوان يفكر، كذلك الحيوان الذي يتجه إلى الفتحة الصغيرة في قفصه حين يسمع صوت الجرس الدالّ على موعد وجبة الطعام، غير أن هذا النوع من التفكير الغرائزي لم يؤدِ بالحيوانات إلى تطوير أساليبها لترتقي منزلة كتلك التي ارتقاها الإنسان؛ فالتركيبة العقلية للإنسان لم تقف به عند حدوده الغرائزية، حيث استطاع الإنسان استخدام عقله وبالتالي تطوير أسلوب تفكيره فنجح من خلال هذه الأفكار بالارتقاء درجة عظيمة في الحياة ومن ثم فصلَته مسافات غير محدودة عن الكائنات الأخرى.

إذن: حين نتحدث عن التفكير، فليس المقصود ذلك التفكير السطحي، إنما المقصود به التفكير العميق المؤدي للدخول في عمق القضايا والمشكلات، فتكون المعرفة هنا غير ثابتة إنما متغيرة/متطورة، فالفلاسفة والمفكرون مثلاً يقدمون يمثلون وعياً بالواقع الإنساني أكثر تماسكاً ودقة من الناحية المنطقية، ولذلك فإن كل الأفكار التي طرحها الفلاسفة-قديماًَ وحديثاً- كانت تنتهي بالضرورة إلى الارتقاء بالإنسان بشكل عام، على الرغم من أنها للوهلة الأولى قد لا تؤدي إلى نتيجة مادية محسومة، لكن نتائجها البطيئة هامة ومفصلية.

قد يقول قائل: إن المجتمعات البائسة لن تأكل الديموقراطية في حالة فقرها، نقول له: صحيح، ولكن حين نبحث في عمق الديموقراطية سنجد أسسها الفلسفية التي صنعتها وكونتها على المستوى النظري وكذلك على المستوى العملي الذي صقلها بالتجربة انطلاقاً من (المحاولة والخطأ) إن جاز لي التعبير، ومن ثم سنجد أنها أسس المشكلات الاقتصادية وما يكمن وراءها.

وللعودة إلى بداية هذا المقال، تكاد تنحصر قضية المثقفين العرب، اليوم وبالأمس وغداً، في الصراع مع الجهل الذي يطوق مجتمعاتهم، وهذا الجهل يتجسد في أشكال أمراض عديدة تظهر على المستوى الفردي والجماعي، فتكاد أن تكون معضلتنا الأساسية في مختلف العصور هي هيمنة (التعصب) على الدين، وبالتالي تحوّل المجتمعات إلى (العنف) كعلامة بارزة في علاقة أفرادها ببعضهم وعلاقتهم بالمجتمعات الأخرى؛ مما يجعل الأمر لا يقف عند حذف الرأي الآخر بل يتعداه إلى محاولة حذف الآخر برمّته! سواء أكان هذا الآخر قريباً أم بعيداً، ويدل على ذلك أن مجتمعاتنا العربية الإسلامية تتحول منذ قرن مضى إلى مزيد من العنف التدريجي تصاعدياً، فما عاناه كثير من المثقفين العرب الرواد في بدايات القرن العشرين من إقصاء وإلغاء، يمكن أن يؤخذ على أنه استمرار لمعاناة أسلافهم، إلا أنه من جهة أخرى يمكن أن يؤخذ كمقياس لدرجة التخلف الثقافي، فعلى سبيل المثال: كانت الخصومات الفكرية تؤدي إلى استغلال الجماهير المتماهية مع التقليدية، فتكون تسوية الخلاف في هذه الخصومات في أروقة المحاكم كإجراء حضاري بصرف النظر عمّن سيؤول له الحق، كان هذا في بدايات القرن الماضي، أما في نهايات القرن ذاته فأصبح الرصاص والتصفية الجسدية طريقة لتسوية الخلاف وقضت على الاختلاف... على أية حال، حين تضيق المجتمعات ذرعاً بالاختلاف يظهر جلياً إقصاء المختلف ديناً أو مذهباً أو فكراً- وربما حتى شكلاً- فيسود التماهي حتى في الشكل الخارجي للأفراد، فيكون الانحطاط واقعاً أسود يصعب الفكاك منه!