هل من الممكن أن تختفي الرواية؟ تموت ويقضي عليها العالم الافتراضي؟ كيف تجعل منا الحكايات بشرا؟.

أسئلة كبرى حول علاقة الحكاية بالعقل البشري، يطرحها كتاب «الحيوان الحكاء» لجوناثان جوتشال، عبر توليفة دقيقة بين علم الأعصاب، وعلم النفس، والأدب، في محاولة للوصول إلى أن القصة، تبقى هي القصة، وتبقى الحكايات تحتفظ بمكانتها داخل كل منا، تأكيدا لمقولة انطون تشيخوف «القصة تغير قناعاتنا وقد تغير شخصياتنا».

عقل مستيقظ


التوليفة التي قاربها الكتاب وترجمته بثينة الإبراهيم، رأت أنه قبل عشرات الآلاف من السنين، حين كان العقل البشري ما يزال شابا وحين كانت أعدادنا قليلة، كنا نروي الحكايات لبعضنا بعضا. والآن، بعد عشرات الآلاف من السنين، ما زال بعضنا يبتكر الأساطيرَ بقوة حول أصل الأشياء، وما زلنا نشعر بالإثارة أمام الغزارة المدهشة للقصص على الورق، وعلى خشبات المسارح، وعلى الشاشات، من قصص جرائم ومؤامرات وحب ونصب واحتيال وارتحالاات وأشواق. وأنه حين يخلُد الجسد للنوم، يظل العقل مستيقِظا طوال الليلة، يروي القصص لنفسه.

التجريب والمتعة

إذا كانت معظم ألعاب الفيديو تقوم على قصة مبنية على مشكلة وحبكة وحل لتُدخل لاعبيها في عوالم الخيال القصصي، كمثال على الإمكانية المستقبلية لتطور الفن القصصي وأشكال السرد - بحسب الكتاب - فإن عالم الاجتماع، وليم بينبريدج، الذي أمضى سنتين باحثاً مراقباً مع لعبة وورلد أوف كرافت، أن اللعبة مبنية على الأساطير المعقدة، بقدر أي ملحمة قديمة. هناك كتب ناقشت هذه اللعبة مثل كتاب «القبيلة الجديدة»، و«الحرب الأهلية في أرض الطاعون»، كتب يمكن للاعب أن يقرأها ليتعلم تقاليد المملكة في اللعبة. وهناك سلسلة من الروايات تمتد حتى 15 رواية تجسد قصة ورلد أوف كرافت. تحقق لعبة ورلد أوف كرافت ما تفعله لأنها تجمع إبداع عدة مئات من المتعاونين من المبرمجين، الكتاب، علماء الاجتماع، المؤرخين، الفنانين البصريين والموسيقيين. إنها نتاج عمل مئات المبدعين الذي ينسجون قوة فن القصة، إلى جانب الفن البصري والصوتي، لذلك ستبقى القصة في المستقبل هي فن العقل البشري في المعرفة والتجريب والمتعة.

الخيال البشري

يفتتح الكتاب بعبارة إيلي فيزل «خلق الرب الإنسان، لأنه يحب الحكايات»، فالإنسان كائن مولع بالقصة، حتى حين يخلد الجسد الإنساني للنوم، يظل العقل مستيقظاً طوال الليل، يروي القصص لنفسه. لذلك، فإن القصص والتخيلات والأحلام بالنسبة إلى الخيال البشري، هي شكل من أشكال المحفوظات المقدسة. استمرت القصص ترافق الحضارة الإنسانية عبر الغناء الشعبي، والملاحم، والمسرح، والسينما، والرواية. وليس هناك فن بفنائه يفني نوع القصة، فدائماً ما تتخذ أشكالاً فنية جديدة.

لا يمكن الحديث عن أثر القصص في الحضارة الإنسانية دون التطرق إلى القصص المقدسة وأثرها على الوجود البشري، فالدين هو التعبير المطلق لسلطان القصة على العقل الإنساني، ولا يحترم أبطال القصص المقدسة الحدود بين الخيال والحقيقة، بل يندفعون من عالم القصص إلى الواقع والأحداث التي تجري يومياً من حولنا.

طبقات اللاوعي

حاول جوناثان جوتشال، فتح أفق التفكير عن دور القصة في بنية الذهن الإنساني وسرديات الثقافة، وبالتالي في العادات والسلوكيات الإنسانية، ويعتبر الكتاب رائداً في هذه المحاولة، عبر تطبيق الاختبارات التحليلية المتعلقة بعلوم الذهن، علم النفس والتجارب العينية الاجتماعية، لكن على مجال لم تطبق عليه عادةً، وهو الأدب. ويتناول دور العقل - الذهن - القارئ في تأليف القصص، معتمداً على الدراسات الحديثة التي تبين أن قراءة كتاب أو تخيل قصة يتطلب عملاً تخييلياً من القارئ. فعقل قارئ القصة يعمل بجهد، ويستمر هذا الجهد الإبداعي الهائل طوال وقت قراءة القصص، ويستمر تأثيره في أعمق طبقات اللاوعي، وهذا ينطبق على أية قصة. فالكاتب يكتب الكلمات، لكنها تظل هامدة، لأنها تحتاج إلى حافز كي تحيا، وهذا الحافز هو مخيلة القارئ.

اللعب الحر

القصص هي أشكال من اللعب المعرفي، يقول الباحث الأدبي التطوري بريان يود: «يكون العمل الفني بمثابة ملعب للذهن»، ويرى بويد أن اللعب الحرّ للفن بكل أشكاله، يؤدي النمط نفسه من العمل لقدراتنا الذهنية الذي يؤديه اللعب الحر لعضلاتنا الجسدية، وهنا يذكّر المؤلف بدور لعب الأطفال في تكوين الذهن والوعي، وألعاب الأطفال في أغلبها تتضمن عنصراً قصصياً، فالقصة التي تبنى دوماً على عنصر الحبكة أو الفرضية حاضرة في لعب الأطفال. يساءل جوناثان جوتشال علم الدماغ الجديد وما يمكن أن يكشفه لنا عن الدافع الإنسانى في نسج الحكايا، ويصنع منه سردا منطقيا مدهِشا وفاتنا.

القصص التخييلية

يسلط الكتاب الضوء على السردية الدينية وارتباطها بالعقل الإنساني، فهي تتخطى الحدود بين الخيال والحقيقة، لأن أبطال القصص المقدسة يندفعون من عالم القصص إلى الواقع. كما يشير الكتاب إلى أن الذهن البشري لا يميز ما هو خيالي وما هو واقعي، فالمعلومات المجمعة من القصص التخييلية الأدبية تختلط مع غيرها من المعلومات في سلة العقل ليحضر تأثيرها على يومياته، فشخصيات الأدب كائنات من حبر تتحرك في عالمنا الحقيقي، وتمتلك قوة حقيقية فيه، كما نعرف أثر شخصيات الكتب المقدسة التي تتمتع بحضور وتأثير حقيقي على سلوكنا ويومياتنا.

جوناثان جوتشال

- مواليد 1972

- أكاديمي أمريكي متخصص في الأدب والتطور

- يُدرِس في كلية واشنطن وجيفرسون في بنسلفانيا في قسم اللغة الإنجليزية

- أبحاثه تدور حول تقاطع العلم والفن

- له سبعة كتب

- يعد رائدا في تطبيق الأساليب العلمية على مسائل العلوم الإنسانية

من أشهر كتبه

الأستاذ في القفص عن لماذا يتقاتل الرجال