خلال الأربعين عاما الأولى منذ قيام دولة إسرائيل في 1948 وحتى مؤتمر مدريد في بداية التسعينات شهد الصراع العربي/ الإسرائيلي خمس حروب رئيسية كان لكل واحدة منها انعكاس كبير على صياغة النظام الإقليمي في المنطقة وتأثير كبير على معادلات وتوازنات القوة فيها. خلال الأربعين عاما تلك كانت حالة الحرب بين الطرفين العربي والإسرائيلي هي المحدد الرئيس لشكل النظام الإقليمي وتفاعلاته، ثم جاء مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ورغم أن المؤتمر فشل في إحلال السلام إلا أنه على الصعيد المقابل منع عودة حالة الحرب للنظام الإقليمي بخلقه منطقة وسطى بينهما في حالة "لا سلام ولا حرب". ما نجح مؤتمر مدريد فيه هو قيامه بنقل الصراع العربي/ الإسرائيلي بمجمله لخانة جديدة على رقعة الشطرنج، هذه الخانة هي "عملية السلام" التي حكمت النظام الإقليمي على مدى العشرين عاما اللاحقة.

إن مصطلح العملية (process) بحد ذاته وما يحمله لم يكن في صلبه سوى مجرد مأسسة( institutionalization) وتنظيم (regularization) لحالة الصراع العربي/ الإسرائيلي من خلال وضع أطر ومحددات لها ولأطرافها، وبالتالي فعملية السلام التي حكمت العلاقة العربية/ الإسرائيلية على مدى العشرين عاما الماضية والتي شكلت النظام الإقليمي لم تكن سوى آلية لإدارة الصراع (conflict management) وليست حلا للصراع (conflict resolution).

ما شهدته المنطقة على مدى العشرين عاما الماضية من حالات للصراع العربي/ الإسرائيلي بقيت محصورة ضمن آلية إدارة الصراع هذه، فحرب لبنان 2006 وحرب غزة 2009 كأمثلة أظهرت أن هذه الآلية نجحت في إبقاء أي صراع بين الطرفين محصورا دون انعكاسات جوهرية على صيغة النظام الإقليمي.

حالة إدارة الصراع القائمة في المنطقة غير محفزة بطبيعتها لإحلال السلام، ففيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على سبيل المثال، نجد أن اتفاقية السلام واضحة المعالم ومعروفة جوانبها ونقاط الخلاف فيها، وما ينقصها هو التفاصيل النهائية (final status settlement) والتنفيذ لها (على افتراض توفر الإرادة السياسية الدولية لذلك).

واجهت مسألة إحلال السلام في المنطقة تحديين رئيسيين:

أولا: تعدد المسارات: فمسار القضية الفلسطينية تم فصله عن مسار السلام مع سورية على سبيل المثال، وهكذا شكل تعدد المسارات عائقا زاد من الحاجة للإدارة المستمرة للصراع بدلا من حله. ومبادرة السلام العربية حاولت القيام باختراق في هذه المسألة من خلال تقديم عرض سلام متكامل (comprehensive offer).

ثانيا: عدم عدالة الإدارة: فالولايات المتحدة التي تزعمت "النظام العالمي الجديد" منذ بداية التسعينات لم تقم بإدارة الصراع بشكل محايد من خلال تحيزها لإسرائيل والامتناع عن الضغط عليها، مما ساهم في تسهيل تعقيد الوضع من خلال قيام إسرائيل بخرق التفاهم الرئيسي كبناء المزيد من المستوطنات على سبيل المثال، وهو ما استدعى المزيد من جهود إدارة الصراع بدلا من حله.

الرغبة في إبقاء حالة إدارة الصراع بدلا من حله في المنطقة أو العجز عن ذلك، تتضح من خلال أمثلة الآليات السياسية المستمرة التي يتم إنشاؤها لإدارة الصراع، ففي عام 2002 قامت الولايات المتحدة بخلق اللجنة الرباعية للسلام كواجهة تسهل لها إدارة الصراع بدلا من احتكارها وحيدة للوساطة، وبعد عشرة أعوام من استمرار عجز الرباعية عن تقديم شيء مثمر تتضح حقيقة أن ما يغيب عن أي جهد حقيقي لإحلال السلام في المنطقة ليس الآليات السياسية لذلك، بل النموذج الإقليمي الذي خلق حالة مستمرة من إدارة للصراع بدلا من حل للصراع منذ مؤتمر مدريد للسلام.

الملفت للنظر هنا هو أن كل اختراق لحالة الجمود في النظام الإقليمي تم في أعقاب تهديد لحالة الأمن في النظام الإقليمي، فمؤتمر مدريد جاء في أعقاب حرب الخليج الثانية 1991 والانتفاضة الفلسطينية الأولى، ومبادرة السلام العربية وإنشاء الرباعية جاءت في أعقاب 11 سبتمبر والانتفاضة الفلسطينية الثانية. وهو الأمر الذي يطرح استفهاما حول إمكانية الاستفادة من الربيع العربي في السعي لنقل الصراع إلى خانة جديدة أخرى تنقله من مجرد عملية لإدارة للصراع إلى بداية حل حقيقي.

ما أوضحته العشرون عاما الماضية هو أن حالة إدارة الصراع خلقت مستفيدين، أو بالتعبير السياسي مفسدين (spoilers) للعملية. فإيران على سبيل المثال ربطت برنامجها النووي بصورة غير مباشرة بالقضية الفلسطينية وباتت لاعبا رئيسيا فيها من خلال تدخلاتها التي تصب في صالح قضاياها العالقة، وسورية كمثال ربطت تصعيداتها وتهدئتها في الجانب الفلسطيني بحالة توافقها مع الولايات المتحدة، وهكذا فإن ما اتضح لنا خلال عشرين عاما هو أن كل المسارات في المنطقة متشابكة وأن كل القضايا بصورة أو أخرى مترابطة، فما يوجد هو نظام إقليمي واحد وليس عدة أنظمة منفصلة أو يمكن فصلها.

كسر الحلقة المغلقة لحالة إدارة الصراع القائمة وإحلال السلام في المنطقة سيتطلب بالتالي استراتيجية جديدة متكاملة تضم تحتها كافة أطراف الصراع تحت مظلة واحدة بما يمنع المفسدين من استغلال المسألة، وبما يطرح كافة القضايا كحقيبة واحدة على طاولة النقاش، فالبرنامج النووي الإيراني وإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، في الواقع ليست مسألة منفصلة عن السلام الفلسطيني أو السوري مع إسرائيل. ففي النهاية كل القضايا مترابطة ومتشابكة مع بعضها البعض.

إن تصور نسخة جديدة من مؤتمر مدريد للسلام يضم كافة الأطراف والقضايا قد يعد جهدا لنقل حالة إدارة الصراع القائمة نحو بداية الحل والسعي لإحلال السلام في المنطقة. والربيع العربي بما خلقه من تقلب وهشاشة (volatility) لنظام الأمن الإقليمي هو فرصة يمكن الاستفادة منها إذا أحسن استغلالها. وكل كرت يتعلق بأمن إسرائيل يكسبه العرب يعني كرت سلام تتنازل عنه إسرائيل. وبقدر ما تبدو الولايات المتحدة ممسكة بخيوط اللعبة في المنطقة بقدر ما يظهر عجزها ومن خلفها الأطراف الدولية الرئيسية، والمطلوب هو إحداث اختراق جديد في مسألة السلام في المنطقة.