عندما كتبت الجزء الأول من المقال توقعت بعض ردود الفعل من القراء، وهذا شيء طبيعي خصوصا أن الموضوع حساس، وأيضا صعب أن تغير أفكارا ومعتقدات تم بثها لعقود بمقال واحد. لكن لم أتوقع ردة الفعل بهذا الحجم وهذا في رأيي شيء جميل أن يكون هناك نقاش صريح وتبادل للأفكار حتى لو كانت متعاكسة، لكن البعض ذكر أني أركب موجة التطبيع الحالية مع إسرائيل، وهذا غير صحيح بتاتا لعدة أسباب، أهمها أنا تكلمت عن اليهود وليس إسرائيل أو الصهيونية، وهناك فارق كبير وإسرائيل لا تمثل كل اليهود في العالم، والشيء الآخر وللتذكير للذين يقولون إننا نركب الموجة الحالية فأنا كتبت منذ عام 2011 عن عظماء أمريكا وذكرت عدة شخصيات وبالصدفة كانوا يهودا، ما أكتبه هو رأي شخصي لا ألزم به أحدا، وقد أملك وجهة نظر مختلفة وسأذكرها.

أعتقد شخصيا أن يهود الغرب وخصوصا يهود أمريكا تحديدا هم الجسر بين الخليج وبقية اليهود في العالم، سواء في إسرائيل أو غيرها وليس العكس، اليهود الأمريكيون قادرون على لعب دور فعال وحاسم في التقريب بين أبناء العمومة الساميين بشقيهم العربي واليهودي، كما أنهم مختلفون كثيرا ومنفتحون وذوو أفق واسع ويمكن التعامل معهم بكل أريحية، وكثير منهم صفوة المجتمع الأمريكي، على سبيل المثال، رغم أن اليهود يشكلون حوالي %2 من سكان أمريكا لكن 30 شخصا من أغنى الأغنياء في قائمة 100 ملياردير في أمريكا هم يهود. وعن التأثير فإن كثيرا من ملاك كبريات وسائل الإعلام الأمريكي هم يهود، لدرجة أن هذه المقالة لا تكفي لذكر عدد وسائل الإعلام التي يملكها أو تدار بواسطة يهود، وإذا تحدثنا عن المهارات والتعليم والمستوى المهني فهم مميزون وكمثال فإن معدل (قد يزيد وينقص حسب السنوات) %16 من المقبولين في جامعة يال العريقة يهود و%10 من المقبولين في هارفارد يهود! وكثير من أشهر المحامين والأطباء ورجال البنوك هم يهود، وكما ذكرنا عن جوائز نوبل فإن من حوالي 200 أمريكي حصلوا على جائزة نوبل فإن حوالي ثلثهم يهود، رغم أنهم يشكلون كما ذكرنا مسبقا فقط %2 من الشعب، ولا تعتقد أن اليهود الأمريكيين فيهم تعصب حزبي، فعلى سبيل المثال لا يوجد رئيس أمريكي ربما ساعد إسرائيل مثل ترمب لكن %60 من اليهود الأمريكيين صوتوا لبايدن ! واليهود الأمريكيون خليط من الأفكار من اليسار واليمين. لست مساندا ولا متعاطفا مع اليساريين خصوصا في الوقت الحالي، لكن قد تستغرب أن يساريا وأحد أكبر منتقدي إسرائيل في أمريكا هو نعوم تشومسكي وهو يهودي، وأحد أهم ملاك النيويورك تايمز اليسارية يهودي، لذلك من الخطأ بمكان وضع اليهود الأمريكيين في بوتقة واحدة، لكن نستطيع القول بشكل عام إن يهود أمريكا مثال للنجاح، وهي بالمجمل فئة منطقية وواقعية.

ماذا عن إسرائيل؟، استفادت إسرائيل من المظلومية التي تدعيها وأيضا نجحت إلى حد ما في الاستفادة من مختلف العقول والثقافات ودمج الخبرات التي تأتيها من يهود العالم شرقه وغربه، هذا غير المساعدات الغربية في إنشاء دولة حديثة نسبيا، لكن في نفس الوقت كانت شرسة مع الفلسطينيين أصحاب الأرض الحقيقيين، وبررت شراستها بمظلومية أنها محاطة بمحيط عربي معا لها.

لا أعتقد أن هناك قضية عادلة كالقضية الفلسطينية، لكن للأسف ربما بليت بقادة سيئين، استغلوها أسوأ استغلال وحلبوها حلباً، وأعتقد أن لإسرائيل دورا مهما في جلب هكذا قادة فلسطينيين!.

أصبحت القضية الفلسطينية البقرة الحلوب لبعض عوائل القادة ونسوا أساس القضية، وإسرائيل سعيدة بذلك، وتقوم بشكل مستمر بقضم الأراضي الفلسطينية، بينما يقوم بعض القادة الفلسطينيين بالاستفادة من الفساد الموجود.

على إسرائيل إن أرادت أن تعيش معيشة طبيعية مع العرب أن تكون منطقية مع العرب ولا تصير طماعة، وتترك الشطارة في المفاوضات وألاعيب السياسة جانبا وتعطي الفلسطينيين كشعب حقهم المعقول، عملت إسرائيل الكثير من المعاهدات مع الدول العربية، لكن ما زال الحاجز بينها وبين الشعوب العربية واسعا، إذا أرادت أن يعيش الإسرائيليون والعرب سويا بشكل طبيعي عليها أن تعطي الشعب الفلسطيني حقه بغض النظر عن سوء قيادته، وسيصبح الإسرائيلي فردا له حضوره في كل المنطقة، على إسرائيل أن تدرك أن الفائدة التي ستأتيها من الاندماج مع المحيط العربي تعدل أضعاف فائدة اغتصاب كيلومترات من الأراضي الفلسطينية، أيضا على إسرائيل لجم المتطرفين، نعم هناك متطرفون في كل منطقة، لكن عليهم الاعتراف أيضا بسامية العرب، نحن نعرف أن بعض الإسرائيليين ينظر نظرة دونية للعرب بسبب الأصول والقصة القديمة الشهيرة، لكن على إسرائيل إذا أرادت أن تعامل كجزء من المنطقة أن تعامل العرب كأبناء عمومة عمليا من الجهتين سواء السامية أو الإبراهيمية، وحقوقيا أيضا خصوصا الآن هناك أمور أهم ويجب الحفاظ على السامية بشقيها من أي محاولة لمحرقة جديدة يحاول أن يعد لها مجانين ملالي طهران بمساندة من بعض متطرفي الدم الآري في الغرب. وهذه مصلحة مهمة للطرفين !

على العرب أيضا أن يكونوا واقعيين، حاولوا عقودا لحل القضية ولم يؤت الأسلوب ثماره، ربما حان الوقت لتجربة أسلوب آخر ما دام الهدف هو نفسه أي إرجاع الحقوق الفلسطينية.

لقد عاش اليهود مئات السنين مع العرب قبل الحروب، وكان الوضع ملائماً للطرفين، ومنطقتنا فيها خير كثير وفيها عقليات مميزة، آن الأوان أن نركز بالرفاهة والتقدم للشعوب عامة ونسيان الحروب والمشاكل، وكلا الطرفين لديه الكثير من الميزات لكي يعطيها لكن العدالة مطلوبة.

ربما حان الوقت حاليا لتقارب يهودي عربي، وأخص بالذكر يهود أمريكا، من خلال إنشاء روابط أو مجالس مشتركة بين الخليج ويهود أمريكا، يمكن أن تلعب دورا مهما في تقدم المنطقة وأيضا في دفع عملية السلام لما لليهود الأمريكيين من نفوذ حتى في إسرائيل وبعضهم يحمل الجنسيتين، هذا إضافة إلى القيمة المضافة من خبرات ومهارات، أما الخليج فهو يمتلك مقومات كبرى حالية، ويشهد ثورة صناعية اقتصادية ومالية وسيصبح مركزا عالميا أو أوروبا الجديدة، يمكنكم أن تتصوروا حال العالم والرفاهة والتقدم عندما يتعاون الخليج الذي يملك أكبر الصناديق السيادية العالمية ومنطقة تملك أكبر الموارد الاقتصادية والثروات الطبيعية مثل الخليج مع يهود أمريكا الذين يشكلون نسبة كبرى من رجال المال والأعمال والبنوك والصناعة في أمريكا، ببساطة ستكون فرص جبارة لا يمكن تصورها، وهذا سينعكس على المنطقة ككل، وسيصبح حل القضية الفلسطينية أسهل بمراحل لما للطرفين من نفوذ على الإسرائيليين والفلسطينيين.