جلس الأب أمام جثة ولده الذي فارق الحياة في المشفى، ممسكًا بين يديه تلك الرسالة التي تركها له، وبدأ يقرأها، ودموعه تبلِل أحرفها في صمت:

«والدي الحبيب، أحببتك أكثر من أي شيء، ورغم كل شيء، أحببتك رغم قسوتك عليَّ، أحببتك رغم الصفعات التي احمرَّ منها الخد، ورغم السياط التي تركت أثرها على ظهري، أحببتك رغم التوبيخ، ورغم قفص الحرمان الذي حبستني فيه، وجعلتني أنظر إلى أقراني وهم يفعلون ما يشتهون، دون أن أحظى بشيءٍ من المتع التي نالوها.. كم بكيت في خلوتي، وكم بلَّلَتْ دموعي وسادتي، وأنا أسترجع حديثك لوالدتي -الذي طرق مسامعي دون أن تشعر- وأنت تقول لها:

لقد غسلت يديَّ من هذا الولد، لا فائدة منه، ولا صلاح فيه، ولا رجاء من ورائه، كنت أندب حظي في كثيرٍ من الأحيان، وأتذمَّرُ من وجودي، وأتمنى لو أنني لم أُخْلَق، بل -لا أخفيك- كنت أفكر أحيانًا أن أنهي حياتي بيدي، وأريح قلبك المتعب، ونفسك التي كلَّت وملَّت..

سمعتك ذات مرة -في حديثك لوالدتي بعد عتابها لك على ضربي- تقول: هكذا رباني والدي، فاستوعبتُ بعدها أنك كنت تسير في تربيتك لنا أنا وإخوتي على خطى جدي -رحمه الله- لأنك ترى أنها صنعت منك الرجل الذي أنت عليه اليوم؛ يشار إليك بالبنان، وتتصدر المجلس إذا دخلت المكان، لكن اصدقني القول يا أبي، ألم تتذمر يومًا من تلك التربية؟ ألم تعانِ ما أعانيه أنا الآن؟ ليس عندي شكٌّ في ذلك، ولذا أتساءل:

لمَ جعلتَ من حياتنا نسخةً طبق الأصل من حياتك؟! لمَ لمْ تنظر إلى البَونِ الشاسع بين ظروف الحياتين ومغرياتها؟! لمَ لمْ تعوض ما افتقدتَهُ من حنانٍ فينا؟! لمَ لمْ تستصلحنا وتتصبَّر على مشقة تربيتنا، وتدعو الله لنا بالصلاح والهداية، وأنت تعلم أن الهداية بيده، وأن ليس بيدك إلا النصح والتوجيه.

كانت يا أبي مرحلة، وكنت سأتجاوزها مثلما تجاوزتها أنت في يومٍ من الأيام، أعلمُ أنك كنت تريد أن تصنع مني رجلاً عظيمًا مثلك، لكن ها هي منيَّتي تحول بينك وبين أمانيك؛ فلا أنت صنعت مني الرجل الذي تريد، ولا أنا الذي ظفر بما يشتهي في حياته، حتى قبلة الوداعِ الأخيرةِ لم يكن لي فيها حظٌّ ولا نصيب.

سامحني يا أبي؛ فليس لي حقٌ في أن أعاتبك، لكنني أحببتُ أن تصل رسالتي إليك أولاً، ثم إلى آباء كثر؛ علَّ مسارات الأمور تتعدل، وأساليب التربية تتغير.. وداعي وأحرَّ قبلاتي».

انفجر الأب باكيًا، وانكبَّ على جثمان ولده، يقبله ويُمرِّغ وجهه عليه؛ فقد نالت الكلمات من قلبٍ لطالما كان أقسى من الصخر، وأجرت العبارات دمعًا لم تُجرِه يومًا كل أسباب القهر، لكنَّ المشاعر التي طالما كُبِتت جاءت متأخرة.

فهل تأتي مشاعر أحدنا أيضًا متأخرة؟ هل نستمرُّ في تعنيف أولئك الأبناء، والصراخ في وجوههم، وإذاقتهم الويل والثبور حتى لأجل صغائر الأمور؟

هل نحرم أنفسنا لذة التمتع بالقرب منهم، ونحرمهم لذَّة الحياة؛ لأننا ربما نشأنا على ذلك النوع من التربية؟ هل نحطم آمالهم وأحلامهم لنبني لنا عليهم أحلامًا وآمالاً ربما لم تُكتب؟ .

هل تجد كلمات ذلك الابن آذانًا مصغيةً، وعقولاً واعية؟ أم أننا ننتظر أن تحول بيننا وبين أبنائنا المنايا فنشعر حينها بالشوق والحنين إليهم، والندم والأسف عليهم؟