نقاط الالتقاء بين الاختلافات على الخط الطبيعي في الحياة، تعد ضرورة محضة لضمان سلامة المجتمع، واستقراره. وهذا ما لا نلاحظه في الواقع السعودي، المنعكس سلباً على مواقع التواصل الاجتماعي.. وأخص هنا الموقع الأشهر "تويتر".

فعوضاً عن أن يفتح "تويتر" المجال لفضاءات أوسع من أجل التعاطي الثقافي والحضاري والفكري، وإتاحة الفرصة لإيجاد تلاقح فكري مغاير، وإعطاء عملية التوازن الاجتماعي زخماً بشكل عام؛ نجد أنه أصبح قائماً على الجمود والدفاع المتطرف عن الرأي، والردود المتشنجة في كثير من الأحيان بين أعلام ورموز التيارات الثقافية والفكرية المختلفة، وهذا يدل على خلل في مدى الاستيعاب الحقيقي لمعاني التعددية في التوجهات.

والسؤال هنا: هل سيبقى "تويتر" ساحة للصراعات المحلية السعودية؟ من يتابع موقع التواصل الاجتماعي؛ يدرك أن الكثير يفكر بطريقة لا تجعلهم يرون نسبية الأشياء. يفكرون بقيم مطلقة دوماً، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أو العكس.. يتناحرون على مجرد كلمات دون تطرق حقيقي للمعنى والمفهوم والعمق!

ومن المعروف أن الكلمات مجرد قوالب لأفكار، وأحيانا، بل غالبا، لا تحوي تلك الكلمات الفكرة أو ترابطها كما يجب.

من اللافت أيضاً في تلك الحوارات "التويترية المتوترة"، شخصنة الآراء، إذ تصل أحيانا إلى حد التقديس للفكرة أو الرأي أو الموقف بمجرد فقط ربطه بشخص ما، وكذلك ازدراء بعض الأفكار واحتقارها بمجرد معرفة صاحبها الذي ينتمي إلى تيار مضاد!. ولذا فليس من المستغرب - حينما يتم الحوار بناءً على تلك الأحكام الشخصية المسبقة - الوقوع في الكثير من الأخطاء التي تعد محصلة لسياق ومناخ ذلك الحوار، المتحول من حركة عقلية منطقية هادفة، إلى عبثية تؤطرها الاتهامات والشتائم، وفي كثير من الأحيان يتم الدخول بكل بساطة إلى النوايا!

الكل في موقعه الفكري بدا مسؤولا عن خلط و"لخبطة" لم تعد تسمح برؤية الطرف الآخر على حقيقته، مما يعكس أيضاً حالة الأنماط التقليدية التي نعيشها.

إذن، هل يمكن تجاوز الأنماط التقليدية التي حفرها وجسدها كل طرف عن الآخر؟ وهل يمكن أن يدار حوار بين أصدقاء لا أعداء؟ حوار تقوده الكلمات والأفكار والرؤى. لا حوار يغذيه الصراع الدائم، ويقوده سوء ظن لا ينتهي.

في المجتمعات المنغلقة والمتقوقعة على ذاتها، بفعل عوامل العزلة والتصنيف؛ تخرج علينا النماذج الإقصائية السابقة، وبالرغم من أننا أصبحنا في جيل التقنية العظيم، بيد أن الكثير لم يستوعب بعد استخدام هذه التقنية كأداة راقية للتواصل والحوار البناء، لأن ما نراه ونشاهده في تلك المواقع، ما هو إلا تعبير عن حالة من الجمود الذاتي التي يمارسها البعض في نقاشه مع الآخر. وفي هذا يقول المفكر اليوناني كاستورياديس "إن العجز الواضح عن تكوين الذات كذات للمرء من دون استبعاد الآخر، إنما هو قرين بالعجز الواضح عن استبعاد الآخرين من دون الانتقاص من قيمتهم ثم كرههم".

في المقابل فإن عالما لا يشوبه اختلاف، وتسود فيه المشابهة مع الذات؛ يعد عالما لا يطاق، لأن الآخر ضروري للتغيير والإبداع.

علينا أن نعي أنه إذا كان التجديد الفكري يشكل مصدر تهديد للمدرسة الثقافية المتوارثة، فهناك أيضا بعد آخر، يكون فيه ذلك التجديد، مصدراً ضرورياً لإنعاش إيجابي قادر على استيعاب المدارس الفكرية المتعددة والمتغيرة، وعليه لا أتصور نجاح أي إصلاح اجتماعي بالشكل المطلوب، دون أن يكون الحوار ركيزته الأساسية، عن طريق تكريس مفاهيم وثقافة التسامح والنظر إلى الأفكار المختلفة لا بوصفها أرضاً للصدام والصراع، بل بوصفها وجهات نظر متغيرة تمتاز بالمرونة والحراك، في حال تمت مناقشتها بالشكل اللائق والهادىء والراقي بالطبع.