إن آخر ما ينتظره المرء في نهاية 2020، أن يسمع تنظيرا عن الدروس المستفادة من «العام الأزمة» الذي اجتاح العالم كله، أو أن يقرأ بضع نصائح من أي أحد، لبدء صفحة جديدة في عام جديد، فكل شخص حول العالم عاصر هذا العام مهما كان عمره وجنسه واعتقاده، عاش تجربته الخاصة في التعامل مع أحداث 2020 المتسارعة والصادمة والغريبة، وكل واحد سيخرج منها بانطباعاته الخاصة، وإن لم تتشكل سريعا خلال أيام أو أسابيع وربما أشهر، وهذا ما يجعل 2020 عاماً فردانيا وذاتيا، بالرغم من عمومية الحدث الذي اصطبغ به، والذي مس حياة البشر في أهم عصبين تقوم عليهما وهما: الصحة والمال. وهذا ما يجعل من هذا المقال شخصيا إلى حد ما، في خروج صريح عن النهج الذي اتبعه في كتابة مقالاتي عبر «الوطن».

في إحدى أمسيات صيف عام 1990 ونحن أطفال، تعرفت ورفقتي على مفهوم الحرب بشكل شخصي، عندما علت أصوات مذيعي النشرات الإخبارية على كل صوت، وهم يتحدثون عن اجتياح القوات الصدامية لدولة الكويت الشقيقة. إعلان تبعه إلغاء لخطط الإجازة العائلية الصيفية، وانضمام بعض الأقارب في الجيش للقوات السعودية المشاركة في تحرير الكويت، وسريان التنبؤات والشائعات والقصص الخرافية، التي نتداولها ونحن نتعرف على أصوات صافرات الإنذار وتفسيراتها، ثم التعرف على بعض الأسر الكويتية التي هربت من ويلات الغزو الغاشم، والاستماع بنهم لقصص الأقران في عمرنا عن تجربتهم، التي لم تكن تخلو من بعض الإثارة.

ما عاشته الأسر السعودية خلال مرحلة غزو الكويت، كان تجسيدا لمفهوم الخطر الشخصي الأول، الذي اختزل لسنوات تالية مآسي الحياة لدى الكثير في الحرب ومفرداتها، وصارت فجأة، الحروب هي الهاجس الذي يتوقعه الكثير من مجايلي تلك المرحلة، الذين نشؤوا على سماع أخبار الحرب الأهلية في لبنان، والانتفاضات الفلسطينية، ثم الاعتداء على الكويت القريبة والشقيقة. ومع ما توالت به السنوات من تجارب المرض والموت والغياب والسفر، كان هذا الحدث هو التكرار الأكثر، الذي أشارك فيه أطفالي حتى العام الماضي وأحكيه بحميمية الطفولة، وكيف أنه مس حياتنا الاجتماعية والدراسية، وشكل تفكيرا محوريا لدى الكثير من شباب تلك الحقبة تماما، كما كان يحكي آباؤنا وأجدادنا عن حرب تشرين، وتأميم قناة السويس، وقنبلة هيروشيما والحرب العالمية الثانية. حتى جاء عام 2020 وكتب نهاية القصة الوادعة الحالمة عن الحرب، وشطب فصول الإثارة منها، ليستبدلها بقصة أكثر مأساوية، عشت وأطفالي فصولها، وأعلم أنهم خلف وداعة تأملهم لما مضت به هذه الأشهر الطوال، كغيرهم من أطفال وشباب هذا الزمن، يعيشون تجربتهم الخاصة في الرصد والتحليل وفتح مستودعات الذاكرة لقصص عاصروها. وكما كانت الحروب هي اختزال المخاوف في عمرنا سيصبح «الفيروس» اختزالا جديدا في مخاوفهم.

كانت خسارة العالم في الأرواح البشرية جراء فيروس كورونا المستجد مرعبة، ويكمن الرعب في أن العدو فيها ليس صاروخا متوقعا، ولا جيوشا مرئية وكتائب حربية نستطيع أن نجابهها، بل شيء متناهي الصغر والضآلة، قد يكون في كف اعتدنا مصافحتها، أو في رتم حياة نعيشها مسبقا بطمأنينة، أو في أنفاس نتقاسم معها الماء والمأوى. ولو كان للعداوة نبل فهي في أن يكون العدو واضحا ومباشرا وصريحا، عكس ما كان عليه كوفيد19، مخاتلا، مراوغا ولئيما.

ولأن تجربة كورونا في عام 2020 فردانية بنظري، فقد نسمع للناس انطباعات مختلفة حولها، وإن أجمعت على الخسارة بالموت، أو تبدل الأحوال المالية والوظيفية للكثير. لكن هذا العام ساعد الكثير أيضا على استعادة ذاته، حينما توقف عن الركض في الحياة، وذلك الهدوء الموحش الذي عاشه البعض في أيام الحجر والعزلة، كان نعيما وجنة مفقودة لدى البعض الآخر. وقد كان التعرف على أفراد العائلة عن قرب مجددا هو الأكثر دهشة وغرابة، وربما كان أكثر قسوة وغربة. تبديد الوقت أثناء شهور الحجر كان مهارة حاول الكثير أن يبتكر لأجلها طرقا مختلفة، وأخذها الكثير على محمل الجد والمنافسة، بينما كان هناك من يستمتع بتكديس ركام الوقت في صمت ويتحسس ملامحه، ربما للمرة الأولى ويعيش نعيم البقاء في اللاشيء. وفي خضم كل التجارب كان الفضاء السيبراني هو العالم الجديد، الذي نركض فيه نيابة عن الواقع، نعمل من خلاله، نجتمع ونتحدث كثيرا فيه لإثبات أننا على قيد الحياة والأمل، نضع قوائم لأهم ما ننوي عمله في ساعات، ظننا أنها زائدة عن الحاجة، ونتنافس على قيم كان خصمنا المفترض أكثر الناس لا مبالاة بها.

نستطيع القول إننا حتى اللحظة نجونا من قبضة 2020، ونقف استعدادا لتأبينه، دفنه حيا بذكرياته، أو حرقه ونثر رماده على جبال من أمنيات للعام الجديد، أو حتى شنقه مؤطرا بتنظيرنا على جدار ذكريات العمر، لنحكيه قصة نجاة كنا جديرين بها، لكنه -هذا العام- سيمضي وما سيأتي مقيدا مع عبوره الثقيل على أيامنا القادمة، هو الأجدر بالتأمل والتساؤل عما عاد به علينا كأفراد مستقلين، وهل حقا سنكون بعد هذا العام مختلفين عما قبله؟. ليكبر السؤال عن مغزى الاختلاف، وقيمته وجدواه في حياتنا، التي في لحظة أصبحت رهينة لفيروس ضئيل، زودنا بدروس بليغة، النجاح فيها يكمن فيما ومن سينتقل معنا بعدها للعام الجديد.