المتفكّر في الأحوال التي يعيشها العالم في الفترة الحالية يتساءل كثيراً عنها وعن مدى تشابهها مع حياةٍ سابقةٍ كان يعيشها الجنس البشري من قبل. نعم إن الوضع الاستثنائي الذي عاشه العالم من خلال عام 2020، وما نتج عن ذلك من قصص ومؤثرات متلازمة مع حالة كورونا وأزمتها ومواجهة العالم لها، يشبه إلى حدٍّ كبير أوضاعاً سابقة كان يعيشها العالم آنذاك.

ولكن أهم هذه الأوضاع السابقة التي تشابه أوضاع اليوم وتعتبر استكمالاً لها، هو الحوار الاجتماعي الاقتصادي السياسي العالمي في تلك الفترة التي قامت بين المتفائلين (المستبشرين) والمتشائمين (المستائين). إن هذين المفهومين لهاتين المجموعتين إنما هما اسمان للتوجهات التي كان يرغب فيها ويقدمها في تلك الفترة أو الحقبة الزمنيّة التي عاشها العالم، والصراع على إثبات مفاهيم الاقتصاد السياسي، والوضع الاجتماعي.

كان بين هذه الفئتين صراع وخلاف فكري في نظريات الاقتصاد، وما زال هذا الخلاف بين أتباعهم، فمنهم من رأى أن العالم سيصل إلى درجة قوية من العلم تساعده على مقاومة الأمراض ومواجهتها وتأخيرها، إن لم يتم التمكن من القضاء على المرض، وهؤلاء المستبشرون يرون أن هذا التقدم الذي سيحققه العالم يسعى إلى تطور الجنس البشري وتقدمه العلمي وزيادة مستويات الصحة العالمية، والمناطقية لكل منطقة وشعب، وسيكون هناك نمو كبير في عدد المواليد، وزيادة متوسط الأعمار، فالوفيات ستتجاوز سن السبعين والثمانين والتسعين في مختلف المناطق والدول وكان يقودهم آدم سميث وغيره.

جاء بعدهم من يُطلَق عليهم مفهوم المتشائمين ويقودهم (مالتوس) الذي قدّم عدة نظريات اقتصادية تمس المجتمع وتطوره وزيادة السكان، ويقول إن هذا التطور لن يكون مفيداً وإيجابياً، لأن مقاومة الأمراض وزيادة عدد السكان سيؤدي إلى الضغط على الموارد الطبيعية التي تنتجها الأرض، وهذا سيؤدي إلى الضغط على قدرات المجتمع والدول الإنتاجية. وبشكل غير مباشر هو يشير إلى أنه سيكون هناك أزمات وتحديات غذائية ومعيشية وغيرها. وهنا يدعو إلى التحكم في عدد السكان ولكن بطرق متدينة ونبذ الزيادات في عدد السكان التي تحصل بطرق غير شرعية. وهو يحرم الزنا وغيره من السلوكيات الشاذة- وله حكاية طويلة في نظرياته.

ولا يمكن أن نغفل الرأي الشرعي للدين الإسلامي في هذا كله، حيث يرى أن عملية زيادة عدد السكان وتقليل النسل لها أحكامها الشرعية التي قد يصل فيها التحريم لعمليات الإجهاض وغيرها، كما أن الدين الإسلامي يحرم العلاقات غير الشرعية التي قد يمارسها المنحرفون سلوكيا في المجتمعات.

إذن الدين الإسلامي يدعو إلى الوسطية بين النظريات والمدارس الفكرية المختلفة، نعم لزيادة شرعية في إطار الأسرة المشروع والمجتمع المسلم الملتزم بالتعاليم الإسلامية. ولا، لحد وتقليل النسل وما يرتبط به من قوانين وأنظمة غير شرعية.

كل هذا الحديث له ارتباط بحياتنا في ظل زمن الكورونا الذي نعيشه، ويتمثل في الخوف الذي تزامن مع بداية ظهور هذا الفيروس، وأن العالم مقدم على تجارب للقاحات وأدوية سيتم استخدامها للتحكم في مواجهة المرض وتقليل أعداد المصابين والوفيات بسببه. إلا أن بعض الأصوات تخرج لتبين أن استخدام هذه الأدوية واللقاحات إنما هي لأهداف أخرى تم التخطيط لها مسبقاً، وتنم عن عدم حسن النوايا لأجل تقليل أعداد البشرية والتحكم في ذلك، لأن عدد سكان العالم تجاوز سبعة مليارات نسمة، وهذا بدوره يضغط على موارد الكرة الأرضية والموارد الطبيعية وإنتاجها واستخراجها أيضاً. مما يكرس نظرية التشاؤم التي تم التحدث عنها في مقدمة هذه المقالة.

وفي ظل ذلك أصبح العالم في نظر المتشائمين ينهب مقدرات الأرض وثرواتها ويستنفدها، مما زاد نسبة الجوع والفقـر في العالم، ولم يعد الغذاء يكفي الجميع، ولم يعد هناك إمكانيات تساعد على زيادة الموارد، وانخفض بذلك معدل نمو الاقتصاد العالمي، وواجه العالم كساداً وركوداً اقتصادياً. كل ذلك عبارة عن تحديات وأزمات مترابطة نتجت عن أزمة واحدة فقط، هي أزمة فيروس كورونا. وهنا يتضح موقف المتشائمين، أنه لأجل كل هذه التحديات، فالهدف من إنتاج هذه اللقاحات وأخذها للتحكم في أعداد البشرية مستقبلاً. وعلى النقيض يقف المتفائلين سعيدين بإنجازاتهم العلمية التي حققوها من خلال إعطاء تفسيرات ولو تقريبية لحالة العدو الصغير الذي أوقف العالم وأوقف عجلة التطور والتنمية الاقتصادية والتواصل الاجتماعي وجميع أشكال الحياة على الكرة الأرضية.

التحليل الحقيقي لمثل هذه الأزمة: أزمة كورونا، يدعونا إلى التأكد من أن العالم الحالي يعيش نفس الحالة التي عاشها العالم والبشر السابقون، ويمارس نفس الطقوس في تقديم المخاوف والحديث من احتمال تعرضه لأزمات مستقبلية، وفي الأخير تفنى أجيال وتأتي بعدها أجيال بتفاؤلات جديدة وتشاؤمات أخرى تبعاً ومعززة للأفكار البشرية القديمة ووفقاً للحالة المعيشيّة لهم ولأجيالهم.

ونعود بعد كل ذلك لنثق بالله ونزداد ثقةً به، سبحانه، ونؤمن بأن العلم سلاح إذا تم الاهتمام به فهذا سيزيد القدرات الإنتاجية والتكنولوجية والصناعية والاقتصادية، وكل هذه القدرات تحتاج إلى قدرات بشرية تعمل على تأهيلها وتمكينها وإدارتها، والعنصر البشري يحتاج إلى صحة جيدة وبأعدادٍ جيدة ليقدم المفيد والجديد، وهذا لن يتم إلا بمواجهة الأمراض والقضاء عليها من خلال صحة عالمية وتطور علمي متميز، وثقة مجتمعية كبيرة من أن الفرج قادم وأن هناك دائماً أملاً.