إذا كانت نظرية الغناء العربي، التي نقرؤها في كتاب «الأغاني»، ليست أجنبية ولا مجلوبة من الخارج، «إنما هي عربية صنعت في الحجاز»، بحسب الدكتور شوقي ضيف في كتابه «الشعر والغناء في المدينة ومكة لعصر بني أمية»، فإن موطن الغناء العربي الأول مكة والمدينة، ثم انتقل إلى سائر مدن الحجاز، كما يذكر ابن عبدربه في «العقد الفريد»: «والقديم من غناء أهل مكة والمدينة بقية من غناء القيان في الجاهلية، ثم أخذ عنهم غلمانهم الذين ظهروا في أوائل الإسلام، ومنهم طويس والدلال»، وصولا إلى سعيد بن مسجح، الذي توفي عام 85 للهجرة، أستاذ المغنين في مكة، لذلك ليس غريبا أن يكون «عبدالرحمن خوندنة»، المتوفى في اليوم الأول من يناير الماضي 2020، امتدادا للمدرسة المكية العريقة في تاريخ تعليم الغناء والموسيقى.

«خوندنة»، المشتهر بأنه المعلم الأول لطلال مداح العزف على آلة العود، وسواه من الفنانين، من أبرزهم ابتسام لطفي، لم يكن نسيجا وحده في مدينة «كانت معدة منذ العصر الجاهلي لشيوع الأغاني، فهي من هذه الناحية - أيضا بحسب ضيف - تتقدم المدينة كما تتقدم بيئات العشر العربي الأخرى في العصر الجاهلي»، فهناك عشرات الأسماء يتنوع عطاؤها ما بين تعليم العزف على آلات العود والكمان والقانون منذ فجر العصر الحديث مثل سعيد شاولي وإسماعيل كردوس وفؤاد بنتن ودرويش صيرفي، وأسماء أخرى لم تدون، تناقلتها الذاكرة الشفهية، لعل أبرزهم يوسف محمد الذي انتقل إلى الطائف لتعليم العزف (النوتة)، وكلها أسماء يمكن عدها، منتمية لمدرسة ابن سريج وابن محرز المكية التي تعد من طبقات الفن والطرب والغناء، وقد ذاع صيتها في الأرجاء، مما دفع شعراء لتوثيق ذلك في أبيات معبرة منها:

نبع الغناء في الحجاز وترعرع *** وانتشر في كل الجزيرة وتفرع

ورحل إلى مصر وتسرع *** وبالعراق عاش الحزن وتجرع

وبالمغرب العربي توشح *** وعند السودان تخمس وتربع

ومنها أيضا:

نشأ الغناء في الحجاز وانشرح *** وانتشر في جزيرة العرب وسرح

ودخل إلى الشام ومصر ومرح *** وفي بلاد المغرب العربي فرح.

ولم يكن غريبا أن أقدم نوتة موسيقية في العالم وجدت في «رأس شمرا» على الساحل السوري، مكتوبة على لوحات مسمارية تعود إلى نحو 1400 قبل الميلاد. وفي الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت هناك آلات موسيقية عدة، منها المعزف والكنبور والمربع والعود، الذي كان يصنع من الجلود والمزهر وغيرها. كما كان هناك «الحداء»، أصل الغناء العربي، والمقصود به ما يطرب الأذن بحسن نغماته.

وذكر في موسوعة «من عيون الكتب في التاريخ والفنون» وموسوعة «أعلام الموسيقى حياتهم وآثارهم» أن السيدة سكينة بنت الحسين أنشأت أول صالون أدبي خاص بها، حيث كانت تستمع إلى الشعراء وكبار المغنين مثل ابن سريج والغريض ومعبد، وهم من الحجاز، وحنين الحيري من العراق، الذين كانوا من رعاة الموسيقيين آنذاك.

استرجاع الذاكرة

تزامنا مع صدور أول ترخيص لمعهدين موسيقيين في المملكة، استرجع السعوديون ذكريات انقطاع تعليم الموسيقى في المدارس والجامعات وجمعيات الفنون لأكثر من 50 عاما، لكن ذاكرتهم ما زالت حافلة بتاريخ عدد من عمالقة الفن السعودي، وتأثيرهم في تأسيس وتطور الموسيقى السعودية.

وقد أسهم الانقطاع عن التعليم في بحث عدد من المهتمين عن مدرسين خصوصيين من جنسيات عربية، ليتعلموا منهم العزف والغناء في فترة السبعينيات والثمانينيات.

يسترجع معلم الموسيقى المصري محمد السيد، الذي عاش في المملكة 15 عاما حتى 1985 بمدينة جدة، خلال حديثه لـ«الوطن»، ذكرياته مع تعليم الموسيقى في المملكة. ويقول: «تعلمت العزف على العود في القاهرة قبل تخرجي في الجامعة بتخصص الرياضيات، وقدومي إلى المملكة، وعملي معلما في فترة الصباح، بينما كنت أذهب إلى المنازل، لتعليم العزف على العود للراغبين بمقابل مادي».

ويتابع: «لمست خلال التجربة كم كان الشباب السعودي متعطشا لتعلم العزف على آلة العود، حتى شكل الأمر ما يشبه الموضة بين الشباب في ذلك الوقت، واضطرتني كثرة المواهب إلى تكثيف أوقات عملي خارج أوقات دوامي».

من بيت غازي إلى معاهد

في سياق تطور التعليم الموسيقي في المملكة، يذكر الناقد والباحث الموسيقي سلامة محمد لـ«الوطن» أن المرحلة الأولى لتعلم الموسيقى كانت في بداية الستينيات، حيث كان هواة الغناء والعزف يتعلمون بشكل سمعي من خلال الاستماع للراديو، ومشاهدة الحفلات الغنائية المنقولة، والالتقاء بالعازفين والمغنين المشهورين آنذاك، وتعلم أساسيات الغناء منهم، وكذلك طريقة العزف على بعض الآلات الموسيقية مثل العود والكمان وغيرها، إلى أن ظهر عدد من مدرسي الموسيقى من جنسيات عربية، كانوا يذهبون إلى البيوت، لإعطاء دروس خصوصية للطلاب الراغبين في تعلم الموسيقى.

وأضاف: «يعد الموسيقار غازي علي من رواد التعليم الموسيقي في المملكة منذ فترة الثمانينيات، ففي 1960 سافر إلى القاهرة، لدراسة الموسيقى في المعهد الموسيقي (الكونسرفتوار)، الذي كان يديره الموسيقار أبو بكر خيرت، وفي 1967 تخرج في المعهد بعد دراسة 7 سنوات، ثم سافر إلى بريطانيا، ليدرس علم «اليوجا»، الذي اعتبره نقلة نوعية طالت حياته، واستمر في دراسته 5 سنوات، وأنهى دراسته في 1975، ومن ثم عاد إلى المملكة في 1976، وافتتح فصلا تعليميا في جمعية الثقافة والفنون، لكنه سرعان ما أغلقه، لينتقل لتأسيس معهد صغير في بيته، صار مزارا ومعهدا موسيقيا، لتعليم أساسيات الغناء مثل الفوكليز والسولفاج بشكل مجاني لجميع أصحاب الأصوات الجميلة الراغبين في تطوير مهاراتهم، بالإضافة إلى تعليم العزف على العود، ليكون بذلك أول أكاديمية خاصة لتعليم الموسيقى في أواخر الثمانينيات».

وأشار «سلامة» إلى أن خبر إصدار تصريح افتتاح أول معهدين موسيقيين في المملكة أثلج صدور محبي الفن الذين يرغبون في التخصص بشكل أكاديمي، مؤكدا أن مثل هذه المشاريع الفنية ستفتح آفاقا جديدة في تاريخ الفن السعودي، وتصقل كثيرا من المواهب الواعدة.

طالب نجيب

في 1405 التحق الشاعر عبدالهادي الشهري بصفوف الموسيقار الكبير غازي علي، بعد بحث مضنٍ عن معلم للموسيقى في جدة، بهدف تعلم علم الصوتيات الموسيقية والموسيقى النظرية.

ويذكر «الشهري» لـ«الوطن» أن «صفوف غازي علي كانت متنوعة ما بين تعلم أصول الغناء والموشحات والعزف».

ويضيف: «غازي علي كان معلما متفانيا في عمله، إذ كان يدرس المناهج الدراسية لكل طالب على حدة، لضمان الاستفادة والتعلم»، مشيرا إلى أن «غازي» يعد من رموز التعليم الموسيقي الحر في المملكة، حيث سخر وقته وبيته لتعليم الموسيقى التي كان من الصعب تعلمها في ذلك الوقت، لعدم وجود معاهد أو مدارس متخصصة، وكان له الفضل في ظهور عدد من الفنانين على الساحة الفنية.

ممارسة للتسلية

يؤكد الباحث في الموروث الشعبي في الأحساء رئيس لجنة التراث في فرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، يوسف الخميس، لـ«الوطن» أن «الموقع الجغرافي، والتمدد البشري بين الزراعة والصحراء والبحر، وانتشار الحرف والمهن الشعبية.. 3 عوامل أسهمت في صناعة الثقافة والهوية الشعبية في الأحساء، إذ أن انشغال الحرفيين في أثناء ممارستهم العمل بالغناء والطرب والموسيقى كان من باب التسلية خلال العمل». ويوضح «الخميس»: «بداية الطرب والغناء والموسيقى في الأحساء كانت في الستينيات الهجرية، والأحساء كانت شعلة من العطاء الثقافي والفني، ومنبعا للمبدعين من الفنانين والشعراء والمطربين».

وسائل بدائية

أبان «الخميس» أن المهتمين بالموسيقى في الأحساء استخدموا وسائل بدائية في صنع آلاتها، من بينها: التنك والعلب المعدنية والكراتين والتصفيق بالأيادي، بيد أن الرغبة وإثبات الوجود أبقى الموسيقى حاضرة في حفلات الأعراس والمناسبات، وجلسات السمر وحفلات الأندية الرياضية، وحفلات جمعية الثقافة والفنون، وانتشرت محال تسجيل الأسطوانات وأشرطة الكاسيت، علاوة على تأصيل العلاقة بين الفنانين في الأحساء مع زملائهم في البحرين والكويت والمناطق الأخرى.

وقال «الخميس»: «من بين الجيل الفني في الأحساء طاهر الأحسائي وعلي الأحسائي ومطلق دخيل وعبداللطيف الحمدان وعبدالله العماني وأحمد الهدهود وخالد الشجار وحسين البوشليبي وإبراهيم الحمدي وأحمد البارو وخليفة الطويرة وسلمان بوهميل وصالح الصفية وعبدالرحمن المهود وأحمد الحلو وأحمد الدعي وعبدالرحمن الحمد وعلي التركي وعبداللطيف المبرزي وحسين الدوخي وخالد المساعد وعبدالله المهنا وعيسى السنين ومحمد بوقيته».

وشهدت الأحساء إقامة عدد من الدورات الموسيقية، منها دورة في 1401، حاضر فيها محمد أحمد رحمة، ودورتان أخريان في 1403، ثم دورة رابعة في 1407.

تفاؤل واسع

في كتابه «ملامح من الحياة الاجتماعية في الحجاز في القرن الرابع عشر الهجري» (1982)، يشير المؤرخ محمد علي مغربي إلى مسألة اجتماعية تختص بتحول في تقاليد تصاحب فنون الأداء والقول والحركة «كان هناك من يمارس ذلك النوع من الترويح، ولكن في السر وبعيدا عن العيون والآذان في أقبية البيوت أو في الأماكن المكتومة التي لا تظهر فيها أصوات آلات الطرب، أو في الخلاء بعيدا عن العمران».

وبقي جهاز «الجرامافون» أو «صندوق الغناء» غير متاح في المملكة إلا تهريبا حتى نهاية الأربعينيات، إلا أن هذا العهد ولى، وزادت مساحة التفاؤل بتأهيل أكاديمي للموسيقيين السعوديين.

ففي ديسمبر الماضي، أعلن وزير الثقافة، الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، إصدار أول رخصتين للتدريب الموسيقي في المملكة، حصل بموجبه «مركز الدولية الموسيقي للتدريب» و«معهد البيت الموسيقي للتدريب» على رخصتين لنشاط التدريب الموسيقي، وهما معهدان متخصصان يقدمان التدريب وتنمية المواهب في المجال الموسيقي.

وجاء إصدار الرخصتين ضمن الإطلاق التجريبي لمشروع تأسيس المعاهد التدريبية المتخصصة في مجالات الثقافة والفنون، الذي تعمل عليه وزارة الثقافة بالتعاون مع المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني وهيئة تقويم التعليم والتدريب، لتمكين ودعم المواهب السعودية وتنمية القدرات الثقافية والفنية، بالإضافة إلى تطوير الصناعة الفنية عبر إيجاد فرص تعليمية وتدريبية في مختلف التخصصات الإبداعية.

وفي الرياض، افتتح أول معهد لتعليم الموسيقى في المملكة، محتويا على فصول دراسية لتعليم آلة الكمان والنوتة الموسيقية، بالإضافة إلى استوديو لتسجيل الأعمال الغنائية للفنانين وطلاب المعهد، وسيقدم المعهد فصولا دراسية للنساء.

ويبدو الشغف بتعلم الموسيقي جليا بالنظر إلى أن أكثر من 800 متقدم أبدوا رغبتهم في الالتحاق بالتعلم في هذا المعهد، قبل 250 منهم فقط.

معلمون أثروا مسيرة تدريب الموسيقى في المملكة

غازي علي

سعيد شاولي

إسماعيل كردوس

فؤاد بنتن

درويش صيرفي

يوسف محمد

محمد أحمد رحمة

طاهر الأحسائي

المصري محمد السيد