أطلال أثرية تتوارى بين الجبال والهضاب، وعلى مدى الزمن تراكمت عليها الأساطير المثيرة حتى ترسخت في الذاكرة الجمعية القريبة من ذلك الحيز المكاني الذي يحتوي على آثار نشاط بشري قديم يمكن تقصيه والتعرّف على سلوكيات الناس الذين عاشوا فيه، مما يساعد في رسم صورة لطبيعة الحياة التي كانت سائدة في موقع «عَرِيبَة» الأثري بمركز شعف جارمة التابع لمحافظة أحد رفيدة، وهو عبارة عن آثار لمستوطنة قديمة متكتلة يطوقها سور ضخم كأنه حذوة الفرس، وهي مشيدة فوق هضبة مطلة على واد يزدحم بآثار الحقول الزراعية.

مستوطنة متكتلة

أقيمت قرية «عَرِيبَة» بالكامل في مكان مرتفع على قمة هضبة ترتفع عن الوادي بحوالي (50 م) تقريبًا، وتقع على حافة منحدر صخري يصعب صعوده من ثلاث جهات، وتتكون القرية من بقايا مبان سكنية متلاصقة، ذات تنظيم داخلي، تقدر مساحتها حوالي 74× 35 مترًا، وقد بنيت بحجارة شبه مصقولة، تنم عن قدرة عالية في هندسة المعمار، وربما يعود تلاحم تلك المنازل لأسباب أمنية.


ويبلغ سمك البناء حوالي المتر، ويتضح لنا تهدم أجزاء كبيرة منه، فلا تبرز إلا جدران متهدمة يصل ارتفاع ما بقي منها إلى مترين في بعض المواضع القليلة، ويبدو أن المنازل في الغالب تتكون من طابق واحد أو طابقين، كما يغطي معظم أجزاء الموقع أكوام وركامات من الحجارة الساقطة، لكن من الملاحظ أنه قد روعي عند تصميم المنازل ترك طريق للمشاة بينها. ويحيط بالقرية سور من جميع الجهات، ومن خلال النظر في أساسته يلاحظ أنه يتفاوت في الارتفاعات، إذ يصعب الصعود من الجهات الثلاث التي تطل على المنحدر الصخري، أما جهته الغربية فتطل على قاع سهل منبسط، وبالتالي يسهل الصعود منها، فتلك الجهة مبنية أساساتها بصخور ضخمة للغاية على خلاف الجهات الأخرى، مما يشير إلى ارتفاع السور من هذه الجهة، إلا أنها الأكثر تعرضًا للانهيارات.

ويوجد بالقرب من هذه المباني منشآت حجرية منعزلة من الممكن أن تكون حظائر حيوانات، كما أن هناك آثار لثلاثة منازل منعزلة تم تشييدها على حافة الوادي.

نمط مختلف

يظهر أن الأسلوب الإنشائي لقرية «عَرِيبَة» يختلف عن القرى المجاورة، فعند المعاينة الميدانية نجد أن القرية مسوّرة على غير مألوف العادة في القرى التراثية المحيطة بالموقع، فقد نرى قرية متقاربة إلا أنه من النادر حقًا أن نجد قرية محاطة بسور ضخم، كالذي نراه في الأساسات الحجرية الكبيرة لهذا السور.

ومن الملاحظ أيضًا أن مادة البناء الرئيسة للبيوت هي الحجر شبه المصقول على خلاف النمط المحلي (البيوت الطينية المنطفة) وربما اقتصرت مادة الطين على تسقيف أسطح المنازل.

وفي وقت يتساءل البعض عن مدى صواب الحكم على أن القرية بُنيت كلية من الحجر؟ خصوصا أنه لا يُرى منها سوى أساسات حجرية متبقية، وربما شيد أعلاها من الطين والنطف كما هو سائد في التراث العمراني، ومع تعاقب القرون وبفعل العوامل الطبيعية ربما خربت تلك البيوت واندثرت مداميكها الطينية، ثم قد يلجأ الإنسان في هذه الأنحاء إلى بقايا حجر «النطف» فيقتلعها ويجمعها ليعيد استعمالها في البيوت الجديدة أو في طيّ الآبار أو في ترميم جدران الحقول، فإن الصواب يأتي من عدم وجود ركام طيني يدل على إكمال البناء من مادة الطين، وكذلك لم يتم العثور على بقايا الرقائق الحجرية المسماة «النطف» التي يمكن أن تكون قد استخدمت هنا، وبالتالي يتم القطع باليقين بتلك العتبة الحجرية العليا لباب أحد البيوت، ولو كان البناء من الطين لاستُخدمت عتبة خشبية، ولم يلجأ المعماري إلى تلك الصخرة الضخمة ليجعلها عتبة.

اللقى السطحية

لا يعرف تاريخ محدد لبناء القرية، فمن الصعب تحديد ذلك لعدم وجود مصادر ترشد إليه، ولكن من خلال المعطيات والشواهد الأثرية، يعتقد أنه يعود إلى الفترة الإسلامية المبكرة، وإن كانت هناك ظنون على أنه استوطن من قبل، فالمعثورات الأثرية مثل الكسر الفخارية تتناثر فوق سطح الموقع، ويمكن لعلماء الآثار أخذ عينات منها، وعبر استخدام الأساليب العلمية الحديثة، يستطيعون تحديد عمر الفخار بواسطة (الكربون المشع) وهي وسيلة تأريخ لا يسهل الطعن بها، ولكنها تعطي على أقل تقدير تاريخاً تقريبيًا، الأمر الذي يعطي تصورًا واضحًا عن هذا الموقع والمستوى الذي وصل إليه سكانه القدماء.

الشريان الأخضر

تشرف القرية على واد فسيح تكثر روافده التي تصب فيه، وتتجلى فيه بشائر الحياة الحضرية، ما يؤكد كان شريان القرية النابض، حيث يحتوي على بقايا جدران لحقول زراعية تأخذ نمطًا متقاربًا بأشكال مربعة أو مستطيلة ويرجع ذلك لاستواء سطح الأراضي، وقد لاحظت ملامح لسدود وسواقي وآثار بعض القنوات المائية، وأيضًا عثرت على عدد من الآبار المطمورة.

مصير غامض

بعيدا عن الأساطير والخرافات الشعبية، هنالك عوامل تلعب دورًا كبيرًا في خراب المستوطنات البشرية واندثارها على مدى الزمن، فما هو المصير الغامض الذي أدى لخراب قرية عريبة الأثرية؟ ربما تعرضت القرية لعوامل طبيعية أدت لاندثار مبانيها وهلاك سكانها، كالزلازل والأعاصير، وانتشار الأوبئة.

ومن جهة أخرى لا تقل العوامل البشرية خطورة عن العوال الطبيعية، فهي تسهم مساهمة كبيرة في اندثار القرى واختفاء معالمها نتيجة للحروب. وقد يكون طالها الجفاف والقحط أو الفقر وانتشار المجاعة وما إلى ذلك من العوامل الاقتصادية مما اضطر سكان هذه القرية إلى الرحيل عنها بحثًا عن الرزق في أماكن أخرى.

باحثون عن الوهم

يتعرض الموقع لعمليات تخريب مستمرة من «سُراة الليل» لصوص الآثار الذين يختفون تحت جنح الظلام، بغية الحصول على كنز الوهم، حيث يحفرون هنا وهناك ويضعضعون الجدران الأثرية،ويدمرون أهم الأدلة الأثرية التي تحتويها المواقع الأثرية من تسلسل طبقي، ومعلومات غاية في الأهمية.

موقع «عَرِيبَة» الأثري

يقع في مركز شعف جارمة التابع لمحافظة أحد رفيدة

عبارة عن آثار لمستوطنة قديمة متكتلة

يطوقه سور ضخم كأنه حذوة الفرس

مشيد فوق هضبة مطلة على واد زراعي

ارتفاع الهضبة حوالي 50 مترًا

تتكون القرية من بقايا مبان سكنية متلاصقة

تقدر مساحتها بحوالي 74× 35 مترًا

بنيت بحجارة شبه مصقولة