تركيا التي شاغبت على أكثر من جبهة، باتت تستهدف معاهدات مستقرة تنظم الحدود، ولأنها تدرك ضعف حججها القانونية والسياسية في النزاع، فإنها تستعيض عن ذلك بمقاربات عسكرية بحتة، موصلة الأمور إلى حافة التشابك العسكري، ومعطلة جهود الآخرين في التنقيب عن الغاز، مطلقة لسفن استكشافها وحفرها العنان في مياه متنازع عليها مع الجارتين اليونان وقبرص، ما أدى لتفجير أزمة سياسية معهما، وكذلك مع الاتحاد الأوروبي الذي تنتميان إليه، حيث تقود فرنسا حشدا لمواجهة تركيا في المنطقة، التي باتت على شفير هاوية حرب ستستخدم فيها إذا ما اندلعت، الغواصات والقطع البحرية والطائرات، كأن الوضع يتحول إلى دبلوماسية الغواصات بدلا من دبلوماسية الحوار.
مغامرة إردوغان
دائما ما لعب ترسيم الحدود بين البلدان الثلاثة دورا محرضا على حروب طاحنة، ونجحت تركيا بعد حرب 1919 ـ 1922 في استعادة ما سمي «البر التركي»، لكن الرئيس التركي الحالي رجب طيب إردوغان، لا يبدو مقتنعا بما أقرته معاهدة لوزان، التي رسمت الحدود، بل يريد تغيير قواعد اللعبة عبر مغامرات عسكرية وعنجهيات عدة، ويتطلع إلى أن يجعل من شرق المتوسط بحرا تركياً، وهو يقود الأمور إلى حافة الهاوية التي تضع المنطقة وربما العالم على كف عفريت نتيجة لمغامرة رجل واحد طامع.
اتكاء يوناني على القانون
قانونياً، وحسب الأمم المتحدة، فإن اليونان حددت حدودها البحرية بما يمنح جزرها في بر إيجة مناطق بحرية خاصة بها، تتضمن مياها إقليميّة، ومنطقة اقتصاديّة خالصة، وجرفا قارّيا.
بعض هذه الجزر محاذية للحدود التركية، والفارق بينهما لا يكاد يتخطى 2 إلى 7 كلم متر فقط.
تلعب السيطرة على جزيرة كاستيلوريزو/ ميس التي تَبعد عن البرّ التركي نحو 2 كلم، ومساحتها أقلّ من 10 كلم2 ويقطنها نحو 400 شخص، دورا جذريا، ربما يغير ترسيم الحدود، لكلٍّ من تركيا واليونان وقبرص.
فإذا دانت سيادتها لتركيا امتدت مَساحة المنطقة الاقتصاديّة الخالِصة التركيّة بنحو 100 ألف كلم2 لتصل إلى 142 ألف كلم2.
ينطبق الأمر ذاته على جزيرتَي كريت وكذلك رودوس، وكذلك على جزيرة قبرص التي ترى تركيا أنّه لا يجوز أن تمتلك مياهاً إقليميّة ومنطقة اقتصاديّة خالصة، مُماثلة لدُول ساحليّة مثل مصر وتركيا، فضلاً عن اتّهام تركيا لقبرص اليونانيّة بمُصادَرة حقّ قبرص التركيّة في المَوارِد البحريّة للجزيرة. ولذلك فإنّ المُقارَبة التركيّة لترسيم الحدود قلّصت المنطقة الاقتصاديّة القبرصيّة بشكلٍ ملحوظ.
حصانة قانونية
عام 1974 حاول الحرس القبرصي بدعم من اليونان احتلال القصر الجمهوري، ورد الجيش التركي بغزو شمال قبرص لحماية الأقليّة التركيّة.
وفي عام 1983 أعلنت «جمهوريّة شمال قبرص التركيّة»، ولكن لم تعترف أي دولة بها سوى تركيا، التي أرادتها دولة مستقلة لها مياه إقليميّة ومنطقة اقتصاديّة خالِصة أسوة بقبرص اليونانيّة.
بادرت قبرص لتعزيز موقفها القانوني، فرسمت حدودها البحريّة مع مصر 2004، ولبنان 2007 - وإسرائيل 2010، وأودعت اتفاقيات الترسيم لدى الأمم المتحدة لتعطيها الطابع القانوني، وأطلقت 3 دورات لتراخيص التنقيب عن النفط والغاز بين 2007 و2016، ومنحت الحقوق لشركات عالمية بينها إيطاليّة، وفرنسيّة، وأمريكيّة، واكتشفت حقولا مهمة منها حقلَا «أفروديت» و«جلاوكوس»، ويُقدَّر إجمالي احتياطيها من الغاز بنحو 20 تريليون قدم مكعّب.
ونظمت قبرص وضعها السياسي، فكانت مؤسسا لمنتدى غاز شرق المتوسّط، وعضوة في الاتّحاد الأوروبي، وترتبط بتحالُفات ومصالح مُشترَكة مع مصر وإسرائيل.
ورقة ليبيا
سعت تركيا إلى خلط الأوراق، ووقعت في نوفمبر 2019 مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق الليبية، وبموجبها تستطيع ترسيم جرْفها القارّي ومنطقتها الاقتصاديّة الخالصة، استناداً إلى اعتبار جزيرة كاستيلوريزو/ مايس تحت السيادة التركيّة أو «عدم إعطائها أيّ تأثير» مع إعطاء تأثير محدود لجزيرة كريت، التي تعتمدها اليونان كخطّ أساس لتحديد مياهها البحريّة. وبذلك تزيد الاتفاقية مساحة المنطقة الاقتصاديّة التركيّة الخالصة من 41 إلى 145 ألف كلم مربّع، كما يلتقي بموجبها الجرفان القاريان اللّيبي والتركي.
سارعت اليونان وقبرص ومصر والاتّحاد الأوروبي إلى التشكيك بقانونيّة الاتفاقية التركية الليبية ورفضت الاعتراف بها، فلجأت تركيا لاعتماد تصعيد الأمور وإيصالها إلى مستوى الصدام العسكري، وقال أردوغان في 20 أغسطس 2020 بمناسبة ذكرى احتلال شمال قبرص «الجيش التركي لن يتردّد في تكرار الخطوة، التي قام بها قبل 54 عاماً دفاعاً عن حقوق القبارصة الأتراك وأمنهم».
تعطيل القانون
تعطل تركيا الحلول القانونية مع جارتيها، فهي لم تنضم إلى اتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البِحار، ولا تخضع بالتالي إلى محكمة قانون البِحار، ولو فعلت لاعترفت بقبرص كدولة مستقلّة، وليس جزيرة مُتنازَعا عليها، كما تصفها، كما أن قبرص التركية غير معترف فيها دوليا كدولة مستقلّة، وبهذا تريد تركيا الهروب إلى الأمام عبر حرب تغير موازين القوى الحالية، بحرب محدودة أو توافق دولي يبحث عن حل وسط، يتيح لها مُشارَكة القبارصة الأتراك بالحُكم والمَوارِد أو تخلي اليونان عن اعتبار جزيرة كاستيلوريزو/ ميس امتداداً للبرّ اليوناني، ما يعني زيادة مساحة المنطقة الاقتصاديّة التركيّة الخالِصة، لكنْ بنسبة أقلّ ممّا تُطالِب به تركيا. على أن تتنازل تركيا عن مُطالبتها بتعديل اتّفاقيّتَي لوزان وباريس.
المشكلة التركية اليونانية القبرصية
1922
- تركيا تسترد برها بعد حرب وتوقع معاهدة لوزان
- المعاهدة تنظم الحدود بين البلدان الثلاثة
- إردوغان يطمح إلى جعل المتوسط بحرا تركياً عبر تغيير الترسيم
حوادث
1974
- الحرس القبرصي يحاول احتلال القصر الجمهوري
- تركيا ترد بغزو شمال قبرص
1983
- تركيا تعلن «جمهوريّة شمال قبرص التركيّة»
- الجمهورية المعنلة لا تنال اعتراف أي دولة سوى تركيا
كاستيلوريزو(جزيرة يونانية)
- 2 كلم بعدها عن البر التركي
- 10 كلم2 مساحتها
- 400 شخص سكانها الدائمون
- تغيير وضعها القانوني يعيد ترسيم الحدود التركية واليونانية والقبرصية
- خضوعها لتركيا يزيد مَساحة المنطقة الاقتصاديّة الخالِصة التركيّة إلى 142 ألف كلم2.
حصانة قبرص
قبرص تحصن موقفها القانوني باتفاقيات قانونية ترسم حدودها البحرية
20 تريليون قدم مكعب إجمالي احتياطيها من الغاز
2004: اتفاقية قبرصية مصرية
2007: اتفاقية قبرصية لبنانية «لم تودع بعد لدى الأمم المتحدة»
2010: اتفاقية قبرصية مع إسرائيل
2007 ـ 2019: تعطي 3 تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز
3 خطوات تعزز وضعها السياسي
أ ـ عضو مؤسس لمنتدى غاز شرق المتوسّط
ب ـ عضو في الاتّحاد الأوروبي
ج ـ ترتبط بتحالُفات ومصالح مُشترَكة مع مصر وإسرائيل