لن نضيع المقال في الحديث عن الصحوة لأنها في نظر يوسف القرضاوي مجرد تيار عام يختلف عن الحركة، يقول بالنص ما يلي: «الفرق بين الحركة والصحوة أن الحركة تعبر عن جماعة أو جماعات منظمة ذات أهداف محددة، ومناهج مرسومة، أما الصحوة فهي تيار عام دافق، يشمل الأفراد والجماعات، المنظم وغير المنظم، فبينهما ــ كما يقول علماء المنطق ــ عموم وخصوص مطلق، فكل حركة صحوة، وليست كل صحوة حركة، والصحوة إذن أوسع دائرة من الحركة وأكثر امتدادا، وهكذا ينبغي أن تكون، والصحوة مدد ورافد للحركة وسند لها، والحركة دليل وموجه للصحوة، وكل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر ويتفاعل معه».

ولمن لا يعرف شمولية الحركات الإسلامية التي تصل إلى التخصصات الفنية فليقرأ للقرضاوي اهتمامه بصناعة كوادر حركية إذ يقول: «الإعلام يتطلب تخصصات متنوعة، فكتابة النص علم، وكتابته في صورة سيناريو علم، وإخراجه علم وتنفيذه علم وتسويقه علم، والإخراج الإذاعي غير الإخراج التلفزيوني غير الإخراج المسرحي، غير الإخراج السينمائي وللإعلام اليوم فنون تعد بالعشرات تقوم عليها معاهد وكليات فيها دراسات عالية وعليا... إلخ» ولهذا لا نستغرب اكتساح رموز الصحوة للقنوات ثم وسائل التواصل وقنوات اليوتيوب الشخصية، فكوادرهم الشبابية موجودة في كل استوديو ووراء كل كاميرا، فتوجيهات القرضاوي المنقولة ما بين القوسين من أحد كتبه عمرها ثلاثين عاما.

ولهذا فلن نركز على «تيار» الصحوة، فقد أوقفته الإرادة السياسية وحصلت الاستجابة الشعبية بشكل خيب ظن الحركات الإسلامية التي زعمت بأنها المهيمنة على الشارع، بل سنركز في المقال على الحركات التي تستثمر الصحوة وأخطرها في السعودية «السرورية» بتفاصيل أشار لها المتخصصون فيها ومن أبرزهم خالد العضاض، أما السلفية المتطرفة وإشكالاتها ــ ففيما أعلم ــ لن يفوق منصور النقيدان أحدا.


ما نريد طرحه هنا عن الحركات الإسلامية هو في اكتساحها «الأندية الأدبية» آخر معقل للمثقفين «اللامنتمين» لأي أيديولوجيا والمستعصين على الأدلجة بحكم إمكاناتهم الذهنية في التفكير النقدي الحر الذي يستعصي على «غاسلي الأدمغة» من أي تيار وتوجه، بل شغلهم «التفكير الحر والإبداع والفن».

مجموعة «اللامنتمين» هؤلاء أصبحوا يجالسون في الأندية الأدبية رجيع الحركات الإسلامية التي بنت واقعها الفكري على أدبيات الإخوان المسلمين ابتداءً بالإخواني السوري علي الطنطاوي وانتهاءً بالمصري القرضاوي، ولا ضير في هذا كحالة عاشوها بصفتهم أفراد وسط «تيار عام» ولكن الإشكال هو في عجزهم التام عن ممارسة النقد الطبيعي لهذه الأسماء «علي الطنطاوي، يوسف القرضاوي» فهذا النقد الطبيعي سيدخل في إطار «النقد البناء» الذي بإمكاننا جميعا ممارسته معهم ومع غيرهم، بل ويفاجئك أن يوجد من يمارس النقد الموضوعي لبعض أفكار ابن تيمية، ويعجز أن يمارس نفس النقد مع علي الطنطاوي أو يوسف القرضاوي.

علي الطنطاوي طرح نفسه كأديب ومن خلال هذا الأدب «الإسلامي الحركي» وصل لوجدان الكثير، ولكنه يبقى ضمن نسيج الإسلام السياسي الذي جعله عاجزا أن يكون أحد علماء الشام الذين عاشوا بعيدا عن أضواء الجماهير، محافظين على مقامهم العلمي في بلدهم بالبعد عن العمل السياسي بخلاف الحركيين العطشين - عطشا لا يرتوي - للجماهير وتحويلهم إلى تيار مسيس داعم لهم، الفارق أن متطلبات العمل السياسي الحركي لعلي الطنطاوي اضطرته للخروج من بلده، وتميز عن بقية الحركيين باحترامه لنفسه ولمن استضافه، فكان الأديب الأريب طيلة حياته رحمه الله.

بالنسبة للقرضاوي فيكفي أنه رغم كل شيء يعيش في الخليج، ويختم أحد كتبه بفتوى لابن تيمية تشير لموقفه الإخواني «الحقيقي» من شيوخ الخليج، إذ يختم أحد كتبه عن فنون البراغماتية في الحركة «الإسلامية» بفتوى «جواز تولي بعض الولايات في دولة ظالمة، إذا كان المتولي سيعمل على تخفيف بعض الظلم...». وعلى هذا سارت الحركات الإسلامية في التغلغل عبر التعليم لإنشاء الكوادر التي تضمر المظلومية وتتسلق المناصب، ثم غرس هذه الكوادر في سلطات الدولة الثلاث «التشريعية، التنفيذية، القضائية» مما يساعد هذه الحركات على الإمساك بمفاصل الدولة تماما، وصناعة واقع مخيف من «الترهل في جسد الدولة» أول من فطن له وأشار إليه خالد الفيصل وسماه «المنهج الخفي»، ولكن هذا الترهل يحتاج إلى تكميم، وهنا تكون المعالجة الحصيفة لأورام مارسها الخميني عبر الأشرطة فملأت جسد إيران بالفيروسات الأيديولوجية حتى ترهلت إيران الشاه، ولهذا خمن رموز الصحوة أنهم على خطى الخميني سائرون، متناسين ثلاثة مهام حافظت عليها القيادة السياسية السعودية وتجاهلها الشاه، والإجراءات الثلاثة التي قامت بها القيادة السياسية في عهد سلمان «الحزم» وعجز عنها الشاه هي «ضبط واقع الطبقة الوسطى من الانهيار»، «ضبط رجال البازار/السوق»، «ضبط رجال الدين»، ثم القيام بعملية تطهير وتحديث وتطوير لكل أركان الدولة، مما دعا بعض المراقبين لاستخدام مفردة «إعادة ضبط الإعدادات» في وصف ما حصل للسعودية الجديدة، ولهذا من حقنا أن نفخر بقيادتنا السياسية التي حققت ما عجز عنه الذكاء الإيراني أيام الشاه، وذلك لتفوقها على الشاه بقربها الشديد من شعبها فغلبت ذكاء ملك الفرس بدهاء ملوك العرب الذين حنكتهم المواهب الفطرية في سلالة عبدالعزيز آل سعود. ولهذا من حق كل سعودي أن يأنف بكبرياء العرب الأقحاح من رؤية أحد أكبر رموز الصحوة في مشهد مصور وهو عند أقدام القرضاوي كمريد صغير، عاجز هذا الصحوي عن كرامة العرب في الوقوف «بصفاء نية وصدق ولاء» مرفوع الجبين بجوار السلالة الملكية في قلب جزيرة العرب.

وأخيرا يا لبؤس من عرف الفرق متأخرا ما بين «سيرة المواطنين أولاً والوزراء ثانياً عبدالله الطريقي، هشام ناظر، غازي القصيبي، علي النعيمي، إياد مدني، عبدالعزيز خوجه وصولاً في زمننا هذا للمواطن أولاً والوزير ثانياً عادل الجبير، والعقبى لكل المواطنين الأكفاء من كل أنحاء المملكة» وبين «رموز الصحوة من الإخوان والسرورية الذين هم ــ ربما ــ من خيرة أبناء الوطن لكن أفسدتهم الأيديولوجيا وأعماهم الغرور، وصدق فيهم القائل: الذكاء وحده لا يكفي إنما الرهان على الطبع الأصيل»، فلسنا «دولة أوليغاركية» كي تتجه نخبته الشبابية من كل أنحاء المملكة «في كل جيل» إلى أحزاب وتنظيمات خارجية كمنفذ وحيد لكل انسداد سياسي يتوهمونه، دون إهمال لما يراه الدكتور الجليل مرزوق بن تنباك في هذا الشأن.