شكلت العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية دوما مسار شد وجذب دائمين، لكنها تتجلى في كثير من تناقضاتها وتقاربها فيما يتعلق بتوجهات وسياسات كل من الطرفين في المنطقة العربية، وعلى الأخص اليوم في الخليج العربي ومضيق هرمز، وكذلك في العراق وليبيا، حيث تتحول هذه المواقع الثلاثة إلى ما يشبه حالة الاختبار لمدى التعاون بين الطرفين أو التباين في طريقة التعاطي مع القضايا المشتعلة في هذه المناطق.
ويؤكد الدبلوماسي الفرنسي تشارلز ثيبوت، وعضو مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بيير موركوس أن أوروبا على الرغم من ظهورها بمظهر المتحد فيما يتعلق بكثير من القضايا، إلا أنها مع ذلك تشهد بعض الاختلافات في وجهات النظر فيما يتعلق برؤيتها لعلاقتها مع الولايات المتحدة، وهو ما يطلق عليه مفهوم «الاستقلالية الإستراتيجية» وما قد تعنيه للعلاقة عبر الأطلسي، حيث وصفت وزيرة الدفاع الألمانية أنجريت كرامب-كارينباور هذه الفكرة بأنها «وهم»، موضحة بأن الأوروبيين لن يكونوا قادرين أبداً على «استبدال الدور الحاسم لأمريكا كمزود للأمن»، ومع ذلك، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «اختلف بشدة» مع مثل هذه الآراء، مجادلاً بأن الولايات المتحدة لن تحترم الأوروبيين إلا إذا كانوا «يتمتعون بالسيادة فيما يتعلق بدفاعهم».

أولويات مختلفة

مع اختلاف القدرات والرؤى العسكرية بين دول أوروبا، بدت أولويات تلك الدول متباينة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث راوحت بين الإقدام والانخراط في العلميات التي تجري في هذه المنطقة التي ينعكس استقرارها وعدمه بشكل مباشر على المصالح الأمنية لأوروبا.


وأظهرت أوروبا قدرة على التكيف وحرصا على التوحد خلف عدد من القضايا الملحة في المنطقة العربية، فقد أدى صعود داعش، واستخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية ضد مواطنيه، والخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية من إيران، والحوادث البحرية المستمرة في الخليج العربي إلى دفع فرنسا وألمانيا وغيرهما من الدول الأوربية إلى الانخراط المباشر في عمليات جيوسياسية في المنطقة.

كما شارك الأوروبيون كذلك في عمليات عسكرية ضمن حلف قادته أمريكا في العراق وسورية ضد داعش، كما قدم الاتحاد الأوروبي مساعدات إنسانية مهمة في البلدين العربيين وصلت في العراق وحدة إلى أكثر من مليار يورو منذ 2014.

عملية إيريني

تمثل ليبيا نقطة استقرار بالغة الأهمية لأوروبا، ومن هنا أطلق الأوروبيون «عملية إيريني» العام الماضي بهدف تنفيذ حظر الأسلحة المفروض من الأمم المتحدة.

وشارك في العملية إيطاليا وفرنسا واليونان وألمانيا، واستفادت من التفويض الممنوح لها بقرار من الأمم المتحدة يتيح لها بتفتيش السفن.

وإضافة إلى عملية إيريني، بدا الموقف الأوروبي موحدا ومنسجما تماما فيما يتعلق بإيران منذ 2017، للحفاظ على الاتفاق النووي معها «خطة العمل الشاملة المشتركة»، ولتبقى في مرحلة توازن دون الانجرار خلف أمريكا التي مارست ضغطا شديداً ومستحقا على إيران في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، لجأت فرنسا وعدة دول أخرى إلى إطلاق عملية مراقبة بحرية في يناير 2020 تحت عنوان «التوعية البحرية الأوروبية في مضيق هرمز»، وكانت تلك عملية مختلفة تماما عن «التحالف الدولي لأمن وحماية حرية الملاحة البحرية».

شراكة توازن

تحرص أوروبا على أن ترتقي علاقتها مع أمريكا من مستوى علاقة تبعية التي يراها البعض ناظما لعلاقة الطرفين إلى علاقة شراكة أكثر توازن، وفي مقال مشترك نُشر في صحيفة «واشنطن بوست»، في 16 نوفمبر 2020، شدد وزيرا الخارجية الفرنسي والألماني على أن أوروبا بحاجة لتعزيز بصورة أقوى، وبحاجة إلى علاقة متوازنة مع أمريكا.

ويبقى الشرق الأوسط حسب تشارلز ثيبوت، وبيير موركوس مجال الاختبار لمدى التعاون والتنسيق مع واشنطن فيما يتعلق بالتحديات الأمنية الفورية التي تستلزم مثل هذا التنسيق، بدل أن تبقى أوروبا في حالة انتظار دائم لما يمكن أن تقرره أمريكا من سياسة تجاه مسألة ما، ومن ثم تتخذ أوروبا القرار المتسق مع هذا الموقف.

ولعل هذا الانتظار الأوروبي هو ما سمح لدول أخرى لتلعب أدواراً مؤثرة وبالغة الخطورة في بعض المواقع المشتعلة، حيث بادرت إلى شغل الفراغ الذي خلفه الانتظار مثل إيران وروسيا وتركيا، واستطاعت بذلك ترسيخ وجودها على المسارح الإقليمية مثل سورية، وهو ما يترقب العالم اليوم ما إن كانت الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن ستغير منه على الأرض، أم ستبقى مشغولة إلى حين بجملة تحديات داخلية فرضتها الأيام الأخيرة لحكم ترمب، وما تبع الانتخابات الرئاسية الأمريكية من أحداث جسام على المستوى الأمريكي الداخلي.

تنظيم وتماسك

يصر ثيبوت وموركوس على أن أوروبا مطالبة بتنظيم نفسها، وبالتعامل المتماسك مع إدارة بايدن، وبتطوير سياسة خارجية أكثر مرونة وتفاعلية، حيث ما يزال بإمكان الدول الأوروبية بصورة منفردةً إطلاق تحالف أصغر يكون مستعداً وقادراً على قيادة استجابة القارة للأزمات التالية، وذلك على غرار المجموعة الخاصة بليبيا التي شكلها «الاتحاد الأوروبي» وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، قد يكون هذا التصدر فسحة فعالة للتنسيق مع واشنطن.

كما يطالبان المسؤولين العسكريين بأن يحددوا بوضوح ما يمكن أن يشكل توازناً واقعياً وفعالاً بين الأصول الأوروبية والأمريكية.

في ليبيا وسورية، بدا أن عناصر التمكين الأمريكية كانت بالغة الأهمية للعمليات الأوروبية، لا سيما في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والتزود بالوقود في الجو ودعم الجسر الجوي، وسيبقى هذا الدعم مهما ومطلوبا جدا لأوروبا في المستقبل القريب.

ويقول ثيبوت وموركوس "لا يزال يتعين على الأوروبيين زيادة استثماراتهم العسكرية، وتعزيز استعدادهم العملياتي (على سبيل المثال، من خلال مشاركة المعلومات المكثفة والتخطيط للطوارئ)، والبحث عن طرق لحشد مواردهم بشكل أفضل (كما فعل حلف الناتو بشكل فعال للغاية مع أسطوله المشترك من طائرات الإنذار المبكر والتحكم (أواكس) عند محاربته داعش.. يجب إعطاء الأولوية لهذه الأنشطة على الرغم من التداعيات الاقتصادية المستمرة لوباء كوفيد-19".

نقاط رئيسة

حتى تتيقن أوروبا من أنها حصلت على شراكة موازنة مع واشنطن، ينبغي عليها اتخاذ جملة خيارات تحدد وتجدد شراكتها مع هذه الأخيرة في ثلاث مسائل حساسة، يجب التعامل معها في الأشهر القليلة المقبلة المواكبة للأشهر الأولى من حكم بايدن.

ففي العراق عليها أن تتحمل أولوية المشاركة الفعالة في الحرب ضد ما تبقى من تنظيم داعش، ولعلها اتخذت خطوة عملية في هذا الاتجاه، من خلال القرار الذي اتخذته الدنمارك، وتولت بموجبه قيادة مهمة تدريب بعثة (الناتو) في العراق وإرسال 285 فرداً عسكرياً إلى العراق الغارق في متاعبه الأمنية.

ويتوقع أن تتضمن المهمة بعض الأنشطة التدريبية التي نسقها سابقاً (التحالف العالمي ضد تنظيم «داعش»). وبسبب حيادها النسبي، تستطيع القوات الأوروبية المساعدة في الحفاظ على الدعم الدولي للعراق مع احتواء خطر التصعيد بين الميليشيات المدعومة من إيران والقوات الأمريكية، لكن هذه المشاركة الأوروبية المتوقعة، والمنتظرة، والمطلوبة بشدة، لا تكون في معزل تام عن الاحتياج إلى الدعم العسكري من أمريكا، حتى لو كان هذا الدعم متواضعا، لكنه يبقى إستراتيجيا، خصوصا فيما يتعلق بحماية القوة، والجسر الجوي، والاستخبارات، والوصول إلى القواعد، وغيرها من المسائل بالغة الأهمية على المستوى العسكري.

مضيق هرمز

مع الأهمية الكبيرة التي يمتلكها مضيق هرمز، والتي لا تخفى عن أي متابع، ومع تعاظم الخليج العربي وتهديدات عدم الاستقرار التي تطاله، والتي تترك أثرها على المستوى العالمي لأهمية دول هذا الخليج، ولأن إيران مصدر عدم استقرار يجعل المنطقة دوما على فوهة بركان من الخلافات التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة، وتتحول إلى حالة حرب، يشكل الخليج ومضيق هرمز حافزا قويا للأوربيين لتعاون أشد وتنسيق أعلى لمبادرات الأمن البحري الراهنة، والتي تتطلب مشاركة الولايات المتحدة، ولا تقف فقط عند أوروبا، بل تمتد شرقا لتطلب مشاركة اليابان والهند، وربما جنوبا نحو أستراليا.

وحيث إن الأمن البحري منفصل عن القضية النووية، فقد يشكل نقطة مجدية لإعادة بناء الثقة بين أوروبا وواشنطن، وبين حكومات الشرق الأوسط.

تعزيز العملية

في ليبيا تحتاج أوروبا لتدعيم "عملية إيريني" بأصول إضافية، منها تخصيص سفينتين إضافيتين لتنفيذ مهمتها بالكامل، ويمكن لواشنطن أن تلعب دورا أوضح في العلن في هذا الجانب، عبر دعم الجهود الأوروبية الرامية لتنفيذ حظر السلاح الأممي في ليبيا، وتسهيل التنسيق بين الأصول الجوية الأوروبية و"القيادة الأمريكية في إفريقيا" (أفريكوم)، لا سيما فيما يتعلق بإبلاغ الأمم المتحدة بانتهاكات الحظر براً أو جواً.

مناطق اختبار العلاقة الأوروبية الأمريكية

الخليج العربي

مضيق هرمز

العراق

ليبيا

اختلافات أوروبية في النظرة للعلاقة مع واشنطن

ألمانيا:

التوازن مع واشنطن وهم

لن نستغني عن أمريكا كمزود للأمن

فرنسا:

على واشنطن احترام الأوروبيين

تمتعنا بالسيادة يفرض احترامنا على الآخرين

لماذا تحتاج أوروبا لواشنطن

ـ لحاجتها للدعم في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع

ـ لحاجتها للدعم في التزود بالوقود في الجو ودعم الجسر الجوي