صادف أن رأيت قناةً تتحدث عن المملكة العربية السعودية، فكان حديثها بجهلٍ وظلم وحسد، بل وطمست الحقيقة، وافترت الكذب على بلادنا ونشرته في الآفاق، فهي لم تقل إن السعودية وحكامها آل سعود يخدمون الحرمين الشريفين خدمةً ما عرف التاريخ لها مثيلا، ولم تقل إن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ومجمع الملك سلمان لطباعة السنة النبوية عمل جليل، وشرف لبلادنا وحكامها لا يعدله شرف، ولم تقل عن بلادنا إنها تغيث الملهوفين، وتعين على نوائب الحق، وتعالج مرضى المسلمين، بل وغير المسلمين، كما هو مشاهَد في مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ولم تقل إن بلادنا السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي ينص دستورها على أن الكتاب والسنة هما الحاكمان على جميع أنظمة الدولة، لم تقل ذلك رغم أن هذه حقائق مُشاهَدة، والحقائق لا يصح أن تُغالَط، بل إن تلك القناة وبعض متحدثيها لم يذكروا شيئا إيجابيا قط لبلادنا، فنعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد، نحن لا ندعي العصمة، ولا ندعي الكمال، فالخطأ والنقص وارد من كل أحد، ولكن والله لا نعلم نظيرا لبلادنا السعودية في العصر الحاضر من جهة نصرة التوحيد وخدمة الإسلام، بل وليس لها نظير منذ مئات السنين، وقد نقل الشيخ ابن باز رحمه الله عن بعض المؤرخين قولهم: (إن التاريخ الإسلامي بعد عهد الرسالة والراشدين لم يشهد التزاما تاما بأحكام الإسلام كما شهدته الجزيرة العربية في ظل الدولة السعودية التي أيدت دعوة التوحيد ودافعت عنه).

لقد طمست تلك القناة وصاحبها وبعض متحدثيها تلك الإنجازات وغيرها، بل ودَفَعَها الظلم والجهل والحسد للتجني على بلادنا، جاء في تلك القناة أن السعودية، ملك لكل المسلمين، وبالتالي لكل أحد التدخل في شؤونها، وأنها تخالف الإسلام، وأن، وأن... إلى آخر افتراءاتهم، ثم سوَّق المذيع لشخص بأنه من أهل العلم في الشريعة، وأن له أن يتحدث دون توقف، فلما تحدث تبين أنه أجنبي عن العلم الشرعي، ومليء بالحسد، الذي تقيأه عبر تلك القناة سُما زُعافا، فهو يقول كيف نصلى إلى جهة القبلة في مكة، وفي تلك البلاد منكرات؟ فنقول له: لنفرض أن ما تقوله صحيح، ما علاقة ذلك بصحة الصلاة؟ ألم يصلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة وكانت مكة آنذاك بلد شرك، وكان على الكعبة 360 صنما، فإذا صحت الصلاة إلى الكعبة وهي بتلك الحال، ومكة بيد الكفار، أفلا تصح الصلاة إليها، وهي بأحسن حال، يغشاها التوحيد في بلد التوحيد المملكة العربية السعودية، وتحت قيادة الملك الصالح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي بذل كل غال ونفيس للعناية ببيت الله الحرام، وتهيئته للطائفين والقائمين والركع السجود؟

وأما دعوى أن السعودية وخيراتها هي لكل المسلمين لوجود بيت الله فيها، فهذا جهل مُطْبِق، فبيوت الله (المساجد) موجودة في كل دولة إسلامية، ولا يُمْنَع أحد من الصلاة فيها، فهل معنى هذا أن تلك البلاد وخيراتها ملك لكل المسلمين؟


ثم نقول: كانت طائرات وصواريخ الحوثي التابعة لنظام الخميني توجه إلى مكة، وإلى بلاد التوحيد السعودية، فأين دعواكم الغيرة على بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية؟ إنكم تكذبون في دعواكم، لأنكم لم تقفوا مع بلاد التوحيد السعودية، وإنما وقفتم مع نظام الخميني وميليشيا الحوثي ضد بلادنا؟ كما وقف أسلافكم قديما مع صدام حسين في اعتدائه على بلادنا.

ونقول أيضا: عندما كانت المملكة في بدايات تأسيسها وتمر بفقر وقلة ذات اليد، هل تَذَكَّرها أولئك الذين يريدون خيراتها اليوم بعد النفط؟

والجواب: كلا، لقد قال شاعر مصر: علي الجندي رحمه الله عام 1940م في قصيدة وجهها إلى السعوديين جاء فيها:

أَحَقّاً أنكم بِتْمُ جياعاً...

ولوْلاكمْ لما عُرِفَ السَّخاء.

وأَنّكُمُ حِيَالَ (القَبْرِ) صَرْعى...

أَنِيُنكمُ يَغَصّ به الفَضاء.

تَفيضُ دموعُكم مِلَْء المآقِي...

فَيُمْسِكها التَّصَوُّنُ والإباء.

خَبرْتُ المسلمين، فمَا نَدَاهُمْ...

سِوى الألفاظِ يَذْرُوها الهواء.

يَفوقون الحصى والرَّمْلَ عَدّاً...

وهُمْ - إِنْ نَابَتَ البلوى - غُثاَء.

ولقد أحسن الأمير خالد الفيصل تصوير واقع أولئك الحسدة عندما قال:

يوم الفقر شلتوا علينا عيوبه ... واليوم عقب النفط جيتوا لنا أنساب.

ويوم الفقر فينا البداوة سبوبة ... واليوم صرتوا مثلنا بدو وأعراب.

لو الهواء منكم منعتوا هبوبه ... لا شك رزاق الملا رب الأرباب.

ولو المطر منكم منعتوا صبوبه ... لا شك رزق الخلق من عند وهاب.

جيش الحسد سقتوا علينا حروبه ... كل يبي يزرع على جسمنا ناب.

ياما عطينا ما ندور مثوبه ... إلا من اللى من ترجاه ما خاب.

وبحمد الله فإن محبي السعودية في العالم الإسلامي كثيرون جدا، يحبونها محبة صادقة، ويفدونها بأنفسهم وأموالهم، لعلمهم أن محبة أنصار التوحيد دين وإيمان، وبغض أهل التوحيد فسق ونفاق، وأن العداء للدولة السعودية عداءٌ للتوحيد، وأما الحاقدون على بلادنا فهم الشواذ، فنسأل الله أن يكف بأسهم والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.

وفي الختام أحب أن أزيل شبهة يرددونها، وهي إلغاء الحدود الوطنية للدول، وأن إمام المسلمين واحد، ولا يصح تعدد الأئمة والبيعة لهم في كل بلد، فأقول:

-1 من هو الحاكم المسلم لجميع الدول الإسلامية اليوم في نظركم؟ هل هو رئيس عصابة داعش الإرهابية، أم غيره، نبئونا بعلم إن كنتم صادقين!

-2 إذا كنتم ترون عدم صحة بيعة حكام الدول على شعوبهم، فإنكم بذلك تسيئون للشعوب، لأن «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» كما في الحديث.

-3 إن الناس منذ زمن الإمام أحمد إلى اليوم، لم يجتمعوا على إمام واحد، ولم يقل أحد من العلماء، إن البيعة لا تنعقد، إلا إذا كان الحاكم إماما لجميع أقطار المسلمين.

قال الشوكاني في كتابه السيل الجرَّار 4/‏512 «بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين...فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يُخاطَب بالحجة لأنه لا يعقلها».

كما أكد ذلك الإمام محمد بن عبدالوهاب كما في الدرر السنية 7/‏239، والعلامة الصنعاني في كتابه سبل السلام 3/‏499.