تقرأ في علم الاجتماع محاولاً الوصول إلى أسباب «المشكلات الاجتماعية» التي تتقاطع مع المجتمعات العربية بعيداً عن النظريات المعقدة، فتجد أن من أهم الأسباب «حدوث تغيرات في النسق الثقافي للمجتمع» لأسباب سياسية أو اقتصادية... إلخ، مما ينعكس على منظومة القيم «القديمة» وولادة منظومة قيم «جديدة» فما بين زمن يموت وزمن يولد تسقط مفاهيم قديمة للقيم وتصعد مفاهيم جديدة لنفس القيم، ومع تغير المفاهيم يتغير السلوك الاجتماعي للأفراد لتظهر على بعضهم ارتباكات على المستوى الشخصي لأسباب ينسبها كذباً ودجلاً إلى قلقه على «أصالة المجتمع وقيمه ومبادئه... الخ»، بينما يختفي وراء هذه الشعارات حرصه الشديد على مكتسباته الاجتماعية القديمة من رأسمال اعتباري بناه وفق «معايير تجاوزها الزمن» ويخشى على رأسماله الاعتباري ألا يجد له سعر صرف مناسبا وفق التغيرات الاجتماعية المقبلة، ومثال هذا: «العوام الذين انجرفوا وراء الصحوة وحققوا مكاسب اعتبارية داخل مجتمعاتهم» ولم يعد لها في زمننا هذا أي قيمة اعتبارية، لينتهي دور المصلح الاجتماعي الذي كان يكتفي بخطبة الحاجة مع ترديد بضع آيات وأحاديث نبوية في الصلح يسردها على أطراف النزاع كتعويذة ينتظر منها أن تفعل فعلها في وجدان المتخاصمين، دون أن يمتلك مهارة النظر وراء كلمات الخصوم، فإذا فشل خرج من بينهم محوقلاً وقال: «دخل بينهم الشيطان فلم يصلحوا»، وفي الحقيقة أنه لا طرف ثالث بينهم سواه، فالأمر يعود لتصدره الشأن الاجتماعي لأسباب لا علاقة لها بقدراته العقلية في التحليل والنقد والمحاكمة وقطع أسباب الخصومة، بقدر ما لها علاقة باعتبارات صحوية كانت تفرض سيادتها على الشأن الاجتماعي، لتفرض هؤلاء «الدراويش» على الفضاء العام.

ما سبق مجرد مثال يقرب الإشكال الاجتماعي للفهم، وهذا لا ينفي وجود حكماء مصلحون بنوا رصيدهم الاجتماعي على نجاحات حقيقية في الميدان الاجتماعي، تتجاوز رصيد الدراويش في الفشل وزيادة الاحتقان في المجتمعات، والإشكال الحقيقي في التحولات الاجتماعية بين زمنين يعود أيضاً إلى ارتباك «العاديين» من «وجهاء الشأن الاجتماعي» في عدم فهمهم للأدوار الجديدة التي يجب عليهم أداؤها، ويعبرون عن ذلك إما بالرفض للمفاهيم الجديدة مما يؤدي إلى فقدانهم لدورهم الاجتماعي القديم دون أن يشعروا، أو افتعال مواقف مناصحة مع الأفراد لتعزيز سلطتهم المعنوية الآفلة، مما يزيد قرف وتململ الناس منهم أكثر وأكثر، وأخيراً محاولتهم اليائسة للتناغم السريع حفاظاً على «أدوارهم الاجتماعية التقليدية»، وفي هذا أيضاً خسارة عليهم إذ إنهم يظهرون أمام مجتمعهم كأشخاص «متقلبين ومتلونين»، ولهذا فمن الطبيعي أن يتداول الناس عبارة «لكل زمن دولة ورجال» كمحاولة فطرية لفهم التحولات والتكيف الاجتماعي معها.

في التحولات الاجتماعية الكبرى يظهر نوعان من الفئات التي تنظر للواقع الاجتماعي التقليدي بطريقتين مختلفتين، وهذان النوعان هما «النوع اللاتوافقي»و«النوع المنحرف»-ينسب هذا التقسيم إلى عالم الاجتماع روبرت كيه ميرتون- فالنوع اللاتوافقي يتميز بما يلي «الفرد غير المتوافق يتخذ في معارضته المعايير صفة العلانية، ويمثل في سلوكه تحديا لشرعية المعايير الاجتماعية التي يعارضها ويرفضها، ويسعى إلى تحقيق هدفه المتمثل في تغيير المعايير الاجتماعية القائمة، فالأفراد غير المتوافقين لا يسعون لتحقيق مصالح شخصية، مع سعيهم إلى تحقيق العدالة الاجتماعية»، بينما النوع المنحرف يتميز بما يلي «الفرد المنحرف سلوكياً يخفي سلوكه المنحرف، مع انتهاكه المعايير التي يعترف بها، حيث ينحصر اهتمامه في كيفية الهروب من العقوبات الخاصة بالمعايير الاجتماعية، فالأفراد المنحرفون دائماً يسعون لكسب مصالحهم الشخصية، حيث يسعون للتعبير عن مصالحهم الخاصة وإشباع احتياجاتهم الشخصية بأي صورة».


وأخيراً، فإن اللاتوافقيين ومع تقادم الزمن لصالحهم يتحولون إلى توافقيين وحراس تقاليد يوزعون الوظائف الاجتماعية وفق مناهجهم الجديدة التي دافعوا عنها وأعلنوها، ولكنها مع تقادم الزمن تصبح قديمة ليولد جيل جديد يدفع بعجلة التغيير إلى مدى أوسع قد تستطيعه مجتمعاتهم ويستوعبه السياسيون مبكراً فيقودون مجتمعاتهم من جديد في رحلة تغيير تراكمية باتجاه المدنية والحضارة أو يقف ما يسمى،الحرس القديم، ليسبب تراكماً إشكالياً ضد طبيعة الحياة «الديالكتيكية»، فينهار البناء الاجتماعي ليعود إلى حالة بدائية متوحشة، هكذا نرى أصغر قرية عربية آمنة مطمئنة، وهكذا نرى أجمل دولة عربية لبنان بعاصمتها «باريس الشرق»، وقد تردت بعيداً في هاوية التوحش على يد طائفية متكلسة شمطاء مهما تصابت بدعوى المقاومة، تقوم شرعيتها على «توازنات الرعب»، هذا الرعب المقرف الذي أخرج خيرة أبناء لبنان من لبنان، ومن لم يخرج ناجياً بحياته وثقافته الحرة الكريمة إلى المهجر، أخرجوه بأربع رصاصات في الرأس وواحدة في الظهر، فكأنما رصاصة واحدة لا تكفي لاغتيال العقل بل ثلاث إضافية، كغلٍ دفين تجاه الفكر الحر والمنطق النزيه، وكل معنى إنساني راق يرمز له علم لبنان المستقل تتوسطه شجرة الأرز وما فيها من رمزية الصمود والعراقة، دون الحاجة لرايات القراصنة الصفراء، فلروحك السلام سليم لقمان ولقلمك الخلود، وللقتلة موت يرجونه ولا يجدونه.