وصل الطوارئ في البلدة الصغيرة، بعد منتصف الليل، وهو على شفا موت مؤكد، أو هكذا توهم، اتجه نحو غرفة الإسعاف والتي يعرفها جيدًا، استلقى على السرير، وأجاب إجابات أولية عن أسئلة لا يعرف من سألها؟! ولا بماذا أجاب؟! كان كل همه أن يفك قبضة الحديد التي تخنق أنفاسه. لم يشعر أنه قضى خمس دقائق يتنفس بشكل أفضل، بسبب إحكام حالة اللا نفس التي كادت أن تودي بحياته على قارعة الطريق. وصل إلى سريره المخصص، نقل إليه بعناية. وفيما هو بين حالتي اللا نوم، واللا صحو، والتي يقال إن العقل الباطن فيها يطفو على العقل الظاهر، ويشكل الحالة الشعورية الظاهرة، ويستدعي الغائب من الذكريات، أو المغيب! هتف في عقله صوت يقول: «يجب أن تدرك أن الحياة مهما طالت قصيرة، وقصيرة جدًا، حتى لو عشتها مئتي سنة، وليس سبعين أو ثمانين أو تسعين، فما بالك بأقل من ذلك».

وتردد الصوت مرة أخرى: «لكل زمان نكهته الخاصة، وعبقه الخاص، الكارثة تكمن في موت الإنسان وهو حي، الكارثة في أن يظل حبيسًا لسنوات مضت، لا يروم مغادرتها»، ومن هنا بالذات يزورنا الحنين لبعض الذكريات والأماكن والأشخاص.

يتناسى الشجي أن فيما بين يديه الآن عبقًا، وألقًا، وحياةً حيةً، يشوهها التوجع على فقد الماضي، وينسى الشجي كذلك أن حاضرنا هو ماضينا في المستقبل القريب، فلا يمسكه، ويقضيه على مكثٍ ومهلٍ مستمتعًا بدقائقه وساعاته، وحينها إذ أفلت منه لهمٍّ عابر، أو كدرٍ زائل، فسوف يتوجد عليه هو الآخر، ذات يوم.


الزمن ينحت في ذواتنا وأرواحنا حتى يغيرها ويقلبها إلى شكل آخر لا نعرفه، وقد يقول البعض: «يبقى الزمن الماضي أفضل وأنقى من الزمن الحاضر، رغم فوارق العيش، والترف»، وهذا غير صائب، فكل الأيام نقية، وجميلة، والنفوس الطيبة تظل طيبة، كل ما في الأمر أن إدراكنا ورغائبنا ومطامعنا تغيرت واتسعت، وصارت جشعًا، فاستحالت الأيام والليالي في عيوننا ملوثة ومكدرة.

الأيام التي نعيشها في كل فترة عمرية من حياتنا القصيرة تحتاج المواكبة والتأقلم والتكيف مع جديد الزمان ومحدثاته، ومع جيل الزمن الحاضر. كانت الدنيا في عقولنا وقلوبنا أجمل وألطف ونحن صغارٌ؛ لقدرة الطفل الفائقة على التكيف والتعلم والتقولب مع تحولات الزمان، حتى نصل إلى عمر تشيخ فيه خاصية التعلم غير التلقائي، وخاصية التكيف، وهنا نبدأ بعيب الزمان والبكاء على ما مضى.

تحضرني الآن ذكرى أمرين كان لهما أثر كبير في صياغة شخصيتي أثناء طفولتي:

الذكرى الأولى: في الصباحات الباكرة حينما كان «المذياع» يشاركني طقوس استقبال الشمس، لا أعلم هل هو مشارك؟ أم أنه الضيف الرئيس؟ مع الجد والجدة -رحمهما الله- كان الهدوء، وعبد الباسط بسحر صوته الملائكي، وصوت رشفات الحليب الساخن، ومضغ الخبز المخبوز للتو، يتناوبون إدارة الحديث، وفي الشتاء تشارك طقطقات الأرطى بصخبٍ دافئ.

وأثناء الذهاب إلى المدرسة كانت عيناي على يد سيدي الوالد -حفظه الله- كل مرة، متى تنزل من على المقود لتهطل كالغيث على زر المذياع، يضغط بالسبابة ثم ينزل بالإبهام بشيء من الضغط لينقل المؤشر إلى مكان معين عبر زر التخزين، ثم يفرك المؤشر الأيمن ليرفع الصوت قليلًا، وبعدها تندلق الأخبار والأسماء، والأماكن والأحداث، حرب هنا، وحرب هناك، شخصيات، دول، مدن، كلمات غريبة، وموسيقى أغرب، وحجم الأسئلة التي تدور في ذهني لا حد له ولا عد. كان المذياع في صلب معرفتي وثقافتي البسيطة، وحتى الصف الخامس الابتدائي لم أكن قد تبينت معالم الطريق إلى المدرسة صباحا، كنت لا أعرف معالم الذهاب، ولا معالم الصباح، كانت عيناي على مؤشر المذياع الأحمر، وكأنه نافذتي على العالم خارج حيَّنا العتيق.

الذكرى الثانية: في الصف السادس الابتدائي، تعرفت على أستاذي «صالح الدِّخيل»، الذي أخبره زميله في المدرسة عمي حمد -يرحمه الله- أني محب للقراءة، فكان الأستاذ العظيم «صالح»، والذي لا يدرسني يأتي كل يوم إليَّ في الحصة الأولى، فيستأذن من المدرس، ويخاطبني أمام زملائي، خلصت يا خالد؟ فأجيبه: «إيه يا أستاذ» وأنا محتضن حقيبتي أخرج منها الكتاب الذي أعطاني إياه بالأمس، من المكتبة المدرسية، أناوله إياه، ويناولني كتاب اليوم، وبعد خروج الأستاذ صالح، يأتي الثناء الباذخ من مدرس المادة، فأشعر بشيءٍ من الغربة، وكثيرٍ من الحرج.

يوم الأربعاء يوم مختلف، أتناول فطوري البسيط جدًا، أنا وأخي محمد -حفظه الله- في مكتبة المدرسة، زمزمية صغيرة بالكاد تسع أربع كاسات صغيرة من الشاي، وخبزة واحدة لكل منا مدهونة بالجبن والمربى. الأربعاء آخر يوم دراسي قبل عطلة نهاية الأسبوع فأحتاج أكثر من كتاب، كنت خلال ربع ساعة الفسحة تلك أحاول تقليد والدي وأعمامي حينما يتجولون أو يقضون بعض الأعمال ممسكين «بكاسة الشاي»، كان العظيم «صالح الدخيل» يسمح لي بقضاء الفسحة في المكتبة لاختيار الكتب كما أشاء أنا لا كما يريد هو مثلما يحدث في بقية الأسبوع، ولم يكن يعترض على أي اختيار، كانت قاعدته المكررة دومًا: «الكتاب اللي تبدأ به، تنهيه مهما كلف الأمر»، كان أخي الأصغر محمدٌ يزعجني كثيرًا بإلحاحه على إنهاء «سندوشتتي» -ليس ثمة خطأ، هكذا كنا نسميها- قبل الجرس، غالبًا أنهي أكل «السندوشته»، وأنا في طريقي إلى برادات الماء، لأني أعرف أن لقيماتها الصغيرة ستتعثر في حلقي الصغير فأدفعها «بجغمة ماء» ثم أمضي لصفي.

كانت أيامًا جميلة، لا تقل أيامنا هذه عنها جمالًا، والأجمل في قادم الأيام.