لم يكن التصعيد الأخير للهجمات الحوثية التي حاولت استهداف الأعيان المدنية في المملكة وليد الصدفة، أو الحالة المزاجية للجماعة الانقلابية، بل يمكن تفسيره وما سبقه من هجمات حاولت استهداف العاصمة الرياض أواخر يناير الماضي، على ضوء ردود الفعل المنسقة لشبكات الحملات الدعائية المدعومة من إيران، والتي أعقبت تلك المحاولات مباشرة.

ما يؤكد تركيز إيران وميليشياتها على المملكة، وتحت إطار من اختبار إيران لقدرتها على شن هجمات متعددة الاتجاهات على السعودية من أراضٍ مختلفة، خصوصًا أن الهجمات الأخيرة التي حاولت استهداف المملكة لم تأت فقط من الحوثي اليمني، بل جاء بعضها من قاعدة «جرف الصخر» العراقية، ومن مدينة البوكمال السورية، وفي كل منها تسيطر الميليشيات الإيرانية وتنفذ أوامر طهران.

اعتراضات فوق العاصمة

يرى مايكل نايتس من معهد واشنطن أنه يرجح أن تكون الطائرات التي حاولت استهداف الرياض في 23 و26 يناير الماضي وجرى إطلاق صواريخ اعتراضية عليها أن تكون طائرات بدون طيار شبه شبحية، ويرى أن الاعتراض في وضح النهار، وهو أمر نادر جدًا في تاريخ الهجمات على الرياض، يشير إلى وجود طائرة مسيّرة بعيدة المدى وبطيئة نسبيًا تم إطلاقها تحت جنح الظلام، واستغرقت ساعات للوصول فوق الرياض.

ويؤكد نايتس أن إيران تقف خلف العملية، لأنها تمتلك مجموعة من أنظمة الطائرات دون طيار بعيدة المدى محملة بمتفجرات خفيفة الوزن أو حمولة أجهزة الاستشعار، سواء تم إطلاقها من أراضيها أو من اليمن أو العراق.

ويوضح أن الميليشيات المدعومة من إيران ساعدت الحرس الثوري الإيراني مرتين في إطلاق طائرات مسيّرة صغيرة محملة بالمتفجرات ذات أجنحة دلتا من العراق إلى السعودية لمدى 600 -700 كيلومتر - أولاً في مايو 2019 ضد خط أنابيب النفط، ومرة أخرى في سبتمبر ضد معمل بقيق، كما تم استخدام الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن لإطلاق طائرات دون طيار بعيدة المدى من طراز «صمد -2»، و«صمد -3» محملة بالمتفجرات ضد الرياض وأهداف أكثر بُعدًا "غارة في يوليو 2018 ضد مطار أبو ظبي الدولي في الإمارات".

ويؤكد نايتس أن هجومًا واحدًا على الأقل من بين هجومي 23 و26 يناير جاء من العراق، وربما من قاعدة «جرف الصخر» القريبة من بغداد، والتي تستخدمها ميليشيا «كتائب حزب الله» المدرجة على لائحة الإرهاب الأمريكية، والتي شنت أيضًا هجمات مايو وسبتمبر 2019 من هذا الموقع.

تنسيق إعلامي

مع تصدي قوات التحالف وسلاح الجو السعودي لمحاولات الاستهداف، وحرمانها من تحقيق أهدافها على الأرض، استغلت طهران وأذرعتها هذه العمليات لشن حملة دعائية منسقة، تؤكد أن أهداف الاستهداف رمزية أكثر منها واقعية مع نجاعة الدفاعات السعودية.

في 23 يناير الماضي، وبمجرد إعلان جماعة غير معروفة تسمي نفسها «ألوية الوعد الحق» مسؤوليتها عن محاولة استهداف الرياض، تحركت خمس قنوات دعائية رئيسية لما يسمى «المقاومة» المدعومة من إيران في العراق لدعم ادعاء المجموعة، في تلاحم غير معتاد أن أوامر صدرت من الحرس الثوري الشريك الأكبر الوحيد الذي يتمتع بالصلات والتأثير لتوجيه تلك القنوات جميعًا في وقت واحد.

4 حقائق

يقول نايتس: تزامن تبني «ألوية الوعد الحق» الهجوم أيضًا مع تصاعد دعاية شبكة التهديد الإيرانية المناهضة للخليج، وتضمن بيان «الوعد الحق» الصادر في 23 يناير تهديدًا لدبي، وفي 27 يناير، أرسلت الجماعة صورة لـ«برج خليفة» في الإمارة، وهو يتعرض لهجوم من طائرات مسيّرة من النوع الإيراني، في منشور أُعيد بثه على الفور من قبل جميع شبكات «المقاومة» الرئيسية الخمس، ويشير رد الفعل المنسق هذا إلى أربع حقائق حول طريقة تفكير طهران ووكلائها في الوقت الحالي:

* قد تكون الميليشيات المدعومة من إيران بصدد تحويل تركيزها نحو السعودية والإمارات، وتركز على هجمات غير فتاكة حتى لا تثير العالم.

* تختبر إيران قدرتها على شن هجمات متعددة الاتجاهات على السعودية من أراضٍ مختلفة، ففي 26 يناير، عرضت قناة «الكوثر» الفضائية التابعة لـ«كتائب حزب الله» خريطة تظهر صورًا للهجمات على السعودية وهي قادمة من صعدة، ومن البوكمال "منطقة سورية تسيطر عليها الميليشيات المدعومة من إيران"، و«جرف الصخر» (قاعدة «كتائب حزب الله»)، ولبنان، وإيران.

* تختبر طهران قدرتها على إرباك المجتمع الدولي برسائل منسقة من الميليشيات.

* ترد طهران مباشرة أو أعضاء آخرون من خلال هذه المحاولات على إجراءات تستهدف أحد أعضاء شبكة التهديد الإيرانية - سواء كانت تلك الإجراءات حقيقية أو متصورة أو متعمدة، وهذا ليس جديدًا تمامًا، ففي نوفمبر 2013، أطلقت الميليشيا الشيعية العراقية «جيش المختار» صواريخ على السعودية في محاولة انتقام واضح لتفجير السفارة الإيرانية في بيروت، في اتباع للإستراتيجية المتمثلة بـ«الجميع نحو هدف واحد».

الدور الأمريكي

أمام الوقاحة الإيرانية المتواصلة في تحريك وكلائها لاستهداف المملكة، فإن على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن اتخاذ خطوات مناسبة ومدروسة ردًا على ذلك، ومنها:

* مراقبة الجماعات التابعة لإيران عن كثب، بحيث تعمل الاستخبارات الأمريكية على تفكيك شبكة الجماعات «الواجهة» مثل «ألوية الوعد الحق»، ويشمل ذلك توضيح روابطها مع «الحرس الثوري» والجماعات الإرهابية المصنفة مثل «كتائب حزب الله»، و«أنصار الله» التابعة للحوثيين، حيث يتم استخدام هذه الشبكات في جهد منسق على نحو متزايد لطمس المسؤولية الإيرانية عن الهجمات.

* كشف مزيد من المعلومات بشأن الهجمات بطائرات بدون طيار، والصواريخ، والهجمات البحرية.

* يجب تحديد نقاط إطلاق الطائرات المسيّرة التي تصعب رؤيتها، والهجمات بالصواريخ الجوالة على وجه السرعة، لا سيما على طول الحدود العراقية السعودية، كما يجب أن تستمر في السعي للحصول على معلومات استخباراتية عن أسلحة الطائرات بدون طيار، والصواريخ، وشظايا الألغام المتعلقة بالعمليات التي يتم شنها من إيران والعراق واليمن.

* وعلى واشنطن نشر البيانات المتعلقة بذلك بشفافية لدحض تصوير طهران نفسها على أنها أحد أفراد المجتمع الدولي الملتزمين بالقانون.

* تشجيع التعاون السريع في مجال الدفاع الصاروخي، وعلى واشنطن العمل وراء أبواب مغلقة من أجل إنشاء اتحاد لتسريع تطوير الدفاعات الجوية من الجيل التالي، بما في ذلك الأسحلة العاملة بأجهزة الليزر العالية الطاقة، والفائقة السرعة، وذات الموجات الدقيقة بقوة عالية.

مناطق تستخدمها إيران للهجوم على المملكة

- صعدة اليمنية.

- قاعدة جرف الصخر العراقية.

- مدينة البوكمال السورية.

- لبنان.

- إيران.

أهداف إيرانية للهجمات

ـ الاستخدام الدعائي للهجمات.

ـ تحويل تركيز الميليشيات على السعودية والإمارات.

ـ اختبار طهران لقدرتها على شن هجمات على السعودية من أراض مختلفة.

ـ محاولة إرباك المجتمع الدولي.

ـ الرد على استهداف عناصر شبكات التهديد الإيرانية.

ما هو المطلوب من إدارة بايدن

ـ المراقبة الاستخباراتية للجماعات التابعة لطهران.

ـ كشف مزيد من المعلومات بشأن الهجمات بطائرات بدون طيار، والصواريخ، والهجمات البحرية.

ـ تحديد نقاط إطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ على وجه السرعة.

ـ فضح الدور الإيراني عبر نشر البيانات والمعلومات.

ـ تشجيع التعاون مع السعودية والإمارات في مجال الدفاع الصاروخي.

من محاولات استهداف المملكة

- أغسطس 2015 جازان، خميس مشيط، السليل - مجموعة صواريخ جميعها فشلت.

- يوليو 2017 تمكنت قوات الدفاع الجوي في التحالف من اعتراض صاروخ باليستي كان في طريقه إلى مكة المكرمة.

- ديسمبر 2017 إطلاق صاروخ باليستي لاستهداف مدينة الرياض.

- نوفمبر 2017 محاولة استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض بصاروخ باليستي تم اعتراضه.

- أبريل 2018 استهداف مطار أبها بطائرة بدون طيار.

- مايو 2018 التصدي لصاروخ باليستي في جازان وصاروخين في الرياض، واعتراض وتدمير صاروخين باليستيين باتجاه خميس مشيط.

- مايو 2019 تدمير درون حوثية تجاه مطار الملك عبدالله في جازان.

- يونيو 2019 استهداف مطار أبها يوقع قتيلا و21 جريحًا.

- سبتمبر 2019 استهداف معملين تابعين لشركة أرامكو بعمل إرهابي بطائرات بدون طيار في الشرقية.

- مارس 2020 اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين في طريقهما إلى الرياض، وإصابة مدنيين اثنين إصابات طفيفة إثر تناثر شظايا صاروخ باليستي أسقط في الرياض.

- يونيو 2020 اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار «مسيّرة» في خميس مشيط.

- قوات التحالف المشتركة تعترض وتسقط عددًا من الطائرات دون طيار «المفخخة».

- الحوثي يطلق «8» طائرات بدون طيار «مفخخة» باتجاه الأعيان المدنية بالمملكة.

- يوليو 2020 التحالف يعترض ويدمر صاروخين باليستيين و«6» طائرات بدون طيار «مفخخة» باتجاه المملكة لاستهداف المدنيين.

- يناير 2021 محاولتان لاستهداف الرياض بطائرات دون طيار.

- فبراير 2021 استهداف مطار أبها وتعرض طائرة مدنية فيه لحريق جراء الاستهداف.