من أشهر أسواق «عسير» الأسبوعية سوق «الثلاثاء» في «أبها»، وهو جزء من هوية هذه الفاتنة (أبها)، عاش معها وعاشت معه طفولة وجودهما، وجمال حياتهما وصباهما، صنعا معا زاد الذكريات، وترجيعات الماضي وبريقه الغامر.

كان السوق منعكسا لكثير من الكتابات، ومسرحا لكثير من الحكايات والروايات ذات الألفة الدافئة، والشغف الجياش، والحب الوجداني الأنقى، حيث يقول الشاعر الراحل تركي العصيمي:

فديت التي يوم الثلاثاء أعرضت ... لأنا تلاقينا على غير موعد

ألاحظها في السوق حتى إذا مضت ... مضيت أعاني حيرتي وترددي

وقفت وقد نام الخلائق رانيا ... إلى الأفق الداجي بطرف مسهد

ووليت قلبي شطر أبها وأهلها ... ووليت شطر البيت وجهي ومسجدي

لقد خصها الباري بحسن طبيعة ... فليس عليها للحضارة من يد

«سوق أبها» قديما يبدأ من «الاثنين»، حيث يصل «اللقاي» صباح ذلك اليوم، ليملأوا فضاءاته وساحاته، خاصة القادمين من القرى والتهائم وساكني البوادي (باعة ومشترين). يبدأ الباعة في نصب خيامهم المؤقتة، وهي من الكتان (الخيش) الذي تصنع منه الأكياس الكبيرة، حيث يقيمونها بأحجام صغيرة وبمسافة قصيرة عن (المدكنة) التجار، في مشهد أفقي غاية في الترتيب والنظام المتوالي (ملبوسات - صناعات وحرف - أدوات زراعية - باعة السمن والعسل - مباسط النباتات العطرية - مسعارة الحب - باعة القهوة والتمور - الأثاث المنزلي - مجلبة الماشية والأعلاف والحطب والفحم والقطران - تنك الخريف من الفواكه والثمار - سوق الفضة والحلي) وغيرها من مظاهر البيع والشراء وتبادل المنافع.

يسترعي انتباهك في السوق طغيان اللهجات العامية المتماسكة، والمستوى الصوتي لها، مما يقودك للاهتداء لمعرفة أهلها وديرتهم من خلال التعبير اللساني والنسيج اللفظي، والنبرة الإيقاعية المتعالقة مع الفصحى، مما دفع الأديب عبدالله بن خميس - رحمه الله - لالتقاط تلك المفردات وتقعيدها من خلال سليقتها وعاملها البيئي، وتأكيد أنها من فصيح العامة. كما تسمع في السوق مصطلحات المكاييل والموازين (صاع - مد - ربعة - ثمنة - أقة - فراسلة - ربعية - هنداسة - كورجة - دستة - كمانة - عيبة - فرق).

سرت ذات يوم من أيام السوق فيه، لكون جدول المدارس في الثلاثاء نصف الحصص فقط، للحاق بالتسوق وشراء ما تحتاجه، خلف رجل يملك حنجرة جهورية عابرة لأحياء السوق وأطرافه، وكان إلى جواره رجل مقيد القدمين بالسلاسل الحديدية، ومعلقة برقبته «صفيحة» مفتوحة، وكان «المنوه»، كما يطلقون عليه أهل السوق، يدعو إلي مساعدة الرجل في دفع «الدية»، لإنقاذ رقبته من القصاص، وكم أذهلني إقبال الجموع من المسوقين (رجالا ونساء) علي مساعدة الرجل، وإخراجه من محنته وهمه ومصيبته، حيث كانوا يلقون ما تجود به نفوسهم الأبية في الصفيحة، ثم يعودون لمباسطهم وتجارتهم، في مشهد تكافلي آخاذ، وعاطفة فطرية صادقة، وكانت «الدية» متواضعة ومعقولة آنذاك وليس كما نسمع الآن. أما «المنوه»، في معاجم اللغة العربية، فهو «من دعا بصوت مرتفع»، وفي «الصحاح» نوهته تنويها إذا رفعته ونوهت باسمه.

يقول معمر من أبناء المنطقة: لحقت بـ«المنوه» أو «المنادي» في سوق الثلاثاء، وهو يشهر بشهود الزور، وقد طليت وجوههم بالسواد، وهو ما يطلق عليه في الشريعة «التسخيم»، حيث إن شاهد الزور عقوبته عند أغلب جمهور الفقهاء تسخيم الوجه والتشهير به بين الناس، ويطاف به في الأسواق. ويوضح الصديق الدكتور شاهر النهاري: كان «المنوه» يحضر من قلعة «أبو خيال»، فالكل يعرفه ويميز «حنة» صوته، وكان يتم تكليفه من قبل الإمارة بالتبليغ عن أي قرارات أو جزاءات أو عقوبات، فيمتطي ظهر حماره ويدور به في أرجاء السوق، ويتلو البلاغ بصوته العالي المتميز، وعلى المستوى الشعبي كان يكلف بالإبلاغ عن الصغار إذا ضلوا أو تاهوا، وعن ضياع الماشية والأغراض المفقودة. كما يبادر بنشر أخبار القبائل والأحكام القضائية وأحوال الطقس، والأمطار والسيول، ورفع الراية البيضاء أو السوداء، أو يتلو بعض المواعظ والنصائح والإرشاد، أو يطلب المساعدة لأحد المعسرين أو أبناء السبيل.